الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، ولا عدوانَ إلا على الظالمين، والعاقبةُ للمتقين، وصلَّى اللهُ وسلَّم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آلِه وصحبه أجمعين، أمَّا بعدُ: فمِن أشهرِ الأمثلةِ العربيةِ: (رمتني بدائِها وانسلت)، وقصةُ هذا المثلِ أنَّ رجلًا مِنَ العربِ اسمُه سعدُ بنُ زيدٍ بنِ مناةٍ تزوَّج امرأةً شديدةَ الجمالِ تُدْعى رهم بنت الخزرج على ضرائرَ لها، ولدت له غلامًا أسماه مالكُ بنُ سعدٍ، وكانت ضرائرُها يسبُّـونها بسببِ الغيرة منها، فيقلنْ لها: يا عفلاءُ -والعفلُ هو شيءٌ في جسدِ المرأةِ التي حملتْ ووضعتْ- فكانت تبكي وتشتكي إلى أُمِّها أمرَ مسبتِها، فنصحتها أُمُّها أنْ تبادرَهن بالسبِّ، فترقبتْ رهم حتى اشتبكتْ مع إحداهنَّ، فقالت لها: يا عفلاءُ، فضحكت ضرَّتُها وقالت: (رمتني بدائها وانسلت)، أي: عيَّرتني بما فيها وألقته عليَّ. فأصبح هذا مثالًا يُذكرُ في حقِّ مَن يرمي غيرَه بما هو مبتلىً به. وما أكثرَهم اليوم! فكم مِن كاذبٍ يرمي غيرَه بالكذبِ، وكم مِن خائنٍ يرمي غيرَه بالخيانةِ، وكم مِن سارقٍ يرمي غيرَه بالسرقةِ، وكم مِن مزوِّرٍ يرمي غيرَه بالتزويرِ، وكم مِن مداهنٍ يرمي غيرَه بالمداهنةِ، وكم مِن ظالمٍ يرمي غيرَه بالظلمِ، وكم مِن مغتابٍ يرمي غيرَه بالغِيبةِ، وكم مِن سبابٍ شتَّامٍ يرمي غيرَه بالسبِّ والشتمِ، وكم مِن جاهلٍ يرمي غيرَه بالجهلِ... والقائمةُ تطولُ، وحصرُ هذه النَّماذجِ متعذرٌ. و قد قرأتُ أمسِ تغريدةً لدكتورٍ في كليةِ الشريعةِ وهو مِن أخصِّ طلابِ الشيخِ عبد الرحمنِ عبد الخالق وألصقِهم به في يومٍ مِنَ الأيامِ، وكان يرمي غيرَه بلقب (مرجئة الحكام)، وكان ذلك بعلمِ شيخِه، ويقصد بذلك اتهام علماءَ السُّنةِ السلفيين الذين لا يُكفرون الحكامَ، ويرون لهم البيعةَ الشرعيةَ، والسَّمعَ والطاعةَ بالمعروفِ، فيصفهم بأنَّهم يُطبلون للحكامِ ويتزلفون لهم، ويمدحونهم بما لا يستحقون، ويدافعون عنهم بالباطلِ، ولقد سَنَّ سنةً سيئةً وشكَّكَ الناسَ في العلماءِ، وجرَّأهم عليهم، وصدَّهم عن الانتفاعِ مِن علمِهم. لكن -سبحان الله-، دارتِ الأيامُ والليالي ومضتِ السِّنون، فتبين أنَّه وأمثالُه أحقُّ بلقبِ (مرجئة الحكام)، حقًّا (رمتني بدائها وانسلت)!! فهذا الدكتورُ كتب تغريدةً في حقِّ أحد الحكام مادحًا إياه قال فيها : هل ينطبقُ حديثُ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ اللهَ يبعثُ لهذه الأمة على رأس كلِّ مائةِ سنةٍ مَن يُجددُ لها دينَها)؟ وذكر في تغريدتِه اسم الحاكم. على الرُّغم مِن أنَّ هذا الحاكم يَحكمُ بالعلمانيةِ، ويفتخرُ بها وينصحُ بها، بل ويذهبُ إلى طاغوتِ العلمانيةِ في بلدِه الذي حارب الإسلامَ وحاول طمسَ هويتِه، فيأتي قبـرَه، بل ضريحه الشاهق، ويلقي خطابًا بين يديه وكأنَّه يسمعه -وقد يعتقدُ أنَّه يسمعُه-، ويجددُ العهدَ معه، ثم ينحني للقبـرِ ويضعُ الزهورَ ويقوم بالطقوس كلِّها، وهو نفسه صوفـيٌّ على طريقةٍ غاليةٍ، مع ما في بلدِه مِن الفسادِ والإباحيةِ التي تمارَسُ بعلمِه بل وبإذنِه، وليس معروفًا لا بعقيدةٍ ولا منهجٍ ولا سُنةٍ!! فليت شِعري أي تجديدٍ للدِّينِ يُرتجى للأمةِ من هذا الزَّعيمِ؟! وأسوأُ ما في الأمرِ جرأةُ هذا الدكتور على حديثِ رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- وتقولُه على اللهِ تعالى!! والسؤالُ: أليس هذا مِن الإرجاءِ القبيحِ؟ سبحان الله؛ الصدقُ عزيزٌ، فكم فضحتْ وسائلُ التواصلِ مِنَ المستورِ، وكم فضحت وسائلُ الإعلامِ مِنَ الحقائقِ ما كان مَخفيًا. وليس ثَمة أحد يزورُ الحكامَ ويترددُ عليهم، ويصورُ معهم أكثر من هؤلاء الذين يرمون الأبرياءَ بما يكسبونه مِنَ الإثمِ. قال تعالى: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [سورة النساء (١١٢)]. وصحَّ من حديثِ ابنِ عمرَ -رضي الله عنهما- أنه قال: سمعتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يقول: «مَن قال في مؤمنٍ ما ليس فيه؛ أسكنه اللهُ رَدغةَ الخبال حتَّى يَخرجَ ممَّا قال [وليس بخارجٍ]». [رواه أبو داودَ والطبراني وزاد: «وليس بخارجٍ» وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٤٣٧)]. فجزى اللهُ علماءَ السنة خيرَ الجزاء على ما يقومون به مِن النُّصحِ لأئمةِ المسلمين وعامتِهم، وجزاهم اللهُ خيرًا على صبـرِهم على الأذى، وجازى مَن يتهمهم بالإرجاءِ مع الحكامِ بما يستحقون، وعند الله تلتقي الخصومُ، عندما يبعث مَن في القبورِ، ويُحصَّلُ ما في الصدورِ، إنَّ ربهم بهم يومئذٍ لخبيرٌ. والحمدُ للهِ أولًا وآخِرًا وظاهرًا وباطنًا، وصلَّى اللهُ وسلَّم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آلِه وصحبِه أجمعين