كم مرة ورد ذكر الإلحاد في القرآن؟ وما موقف صناع المحاورين منها ؟

الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين والعاقبة للمتقين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد : فلقد كتبت مقالين سابقين ؛ الأول بعنوان (منهج صناعة المحاور مخالف لمنهج ودعوة الأنبياء والعلماء الأكابر) والثاني بعنوان (بيان الفرق بين منهج النبي صلى الله عليه وسلم ومنهج مركز صناعة المحاور) وكتبت في نهاية كل مقال للحديث بقية إن شاء الله تعالى إذا كان في العمر بقية . لأني دائماً أستحضر حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه :

 أعمارُ أمتي ما بينَ الستِّينَ إلى السبعينَ وأقلُّهم من يجوزُ ذلِكَ رواه الترمذي (3550) وابن ماجه (4236) وصححه الألباني . وقد سئل سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى عن صحة الحديث ومعناه فقال : (على ظاهره، والذي أعلمه أنه لا بأس به، سنده لا بأس به، والمعنى: أن غالب الناس من الستين إلى السبعين موتهم، هذا غالبهم، وقد يزيد إلى التسعين إلى المائة إلى أكثر، لكن الغالب في الناس أنهم بين الستين إلى السبعين، هذا هو الغالب) أقول : وأنا اليوم بين الستين والسبعين والله يتولاني برحمته ويغفر لي ولوالدي وللمسلمين، وإني والله أجتهد على قدر ما أستطيع أن أكون خالياً من الظلم لأحد كائناً من كان ، وما أكتبه أرجو ثوابه من ربي ناصحاً للمردود عليه حتى يرجع أو يتوقف لكي لا يزداد إثماً . ولقد راسلني أكثر من أخ منهم من السعودية والجزائر ومنهم من الكويت . يبدون لي بعض الملاحظات التي هي في ذهني وما غابت عني وسأبينها إن شاء الله تعالى لأنني ما انتهيت من الكتابة بعدُ . وأما بعض الشباب الذين يتطاولون عليَّ وهم من سن أوسط أولادي فوالذي نفسي بيده بأني لا أقرأ ما يكتبون ولا أضيع وقتي معهم فضلاً أن أرد عليهم بل أسأل الله تعالى أن يهديهم ويصلحهم ويهذب أخلاقهم فالرد العلمي مقبول ومطلوب وأما قلة الأدب والتطاول على من هو اكبر منهم سناً فأمر قبيح لا يرضى الله ولا رسوله وفي الحديث الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : (ليس منا من لم يرحمْ صغيرَنا ، ويُوَقِّرْ كبيرَنا) صحيح الجامع (5445) وليس المقصود من نقدي لمركز صناعة المحاور أو مركز " بينات " تبادل الشتائم والإتهامات وإنما المقصود إحقاق الحق وبيان خطورة هذا المنهج والمسلك الذي قد يزيغ قلوب كثير من الشباب والشابات بسببه ، فما أكتبه من باب النصيحة للمردود عليهم ولمن يشارك في دوراتهم . وبعد هذه المقدمة فأقول : الإلحاد لغة معناه الميل ومنه سمي لحد القبر لحداً لأنه مائل إلى جانب منه . وقد ذكر الله تعالى الإلحاد في كتابه في أربعة مواضع الموضع الأول : في سورة الأعراف الآية (180) قوله تعالى (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) والإلحاد بأسماء اللّه الحسنى يكون بالميل بها عما يجب فيها وهذا الإلحاد له صور متعددة منها : 1/ إنكارها وجحودها كلها أو بعضها كإنكار المشركين لإسم "الرحمن" لله تعالى . 2/ انكار ما دلت عليه من المعاني والصفات العظيمة كقول المعتزلة الله عليم بلا علم ، سميع بلا سمع وبصير بلا بصر رحيم بلا رحمة. 3/ اشتقاق أسماء للأصنام من أسماء الله تعالى كتسمية المشركين اللات من الإله والعزى من العزيز . 4/ الإعتقاد أن أسماء الله الحسنى دالة على أوصاف المخلوقين فيجعلها دالة على التمثيل . 5/ تسمية الله تعالى بما لم يسم به نفسه ، وذلك لأن أسماء الله تعالى توقيفية ليس للعقل فيها مجال . وذلك كتسمية النصارى لله تعالى بالأب وتسمية الفلاسفة لله تعالى بالعلة الفاعلة . 6/ جعلها بلا معنى معلوم من لفظها كما في عقيدة المفوضة إذا علمنا هذه المعاني للإلحاد تبين لنا أن الملحدين بأسماء الله تعالى ليسوا الذين ينكرون ويجحدون "وجود الله تعالى" فحسب ، بل الملحدون هم كل من ألحد بأسماء الله الحسنى بنوع من الإلحاد وهم أكثر بكثير ممن ينكرون وجود الله تعالى . ووجود الله تعالى لا ينكره إلا مكابر أو مجنون أو مريض بالأمراض النفسية . وللأسف إن كثيراً ممن يحاور المحلدين الذين ينكرون وجود الله تعالى هم أنفسهم ملحدون بأسماء الله تعالى وصفاته كالمعتزلة والرافضة والإباضية وغيرهم .

الموضع الثاني : من سورة (فصلت) الآية (40) في قوله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير) وآيات جمع آية ولله تعالى آيات كونية وشرعية . أما الآيات الكونية فهي مخلوقات الله تعالى والإلحاد فيها يكون . 1/ بإنكار خلق الله تعالى لها ، كإنكار القدرية خلق الله تعالى لأفعال العباد 2/ أن يجعل لله تعالى شريك في الخلق . 3/ أن تنسب لغير الله تعالى كقول المشركين مُطرنا بنوء كذا وكذا 4/ أن يجعل لله فيها معين . وأما الآيات الشرعية : فهي الوحي المنزل على الأنبياء والرسل ومنها آيات القرآن الكريم وهي كلام الله تعالى المنزل على قلب عبده ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - والإلحاد فيها يكون : 1/ بإنكارها وجحدها كقولهم أن القرآن ليس كلام الله تعالى وإنما من كلام البشر ، أو علّمه رجل أعجمي للنبي - صلى الله عليه وسلم . 2/ بتكذيبها وتكذيب ما فيها من أخبار وما دلت عليها من أحكام 3/ بتحريفها ، سواء تحريف ألفاظها أو معانيها على غير مراد اللّه تعالى كما فعل أصحاب التحريف الذين يسمون تحريفهم زورا " تأويلاً " كالأشاعرة والماتوريدية 4/ القول بأن القرآن مخلوق من مخلوقات الله تعالى كما قالت المعتزلة والإباضية . وهذا كله من الإلحاد في آيات الله تعالى . (فائدة) قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى : آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله] . وهذه عبارة عظيمة للإمام الشافعي رحمه الله.

الموضع الثالث : في قوله تعالى من سورة النحل الآية (103) (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ) زعم بعض المشركين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يذهب إلى رجل أعجمي يلقنه القرآن ، تكذيباً منهم للنبي صلى الله عليه وسلم وزعموا أن القرآن ما هو إلا قول البشر ، فكذبهم الله تعالى بما زعموا ، فبين لهم ألا تعلموا كذب ما تقولون ؟ إن لسان الذي تلحدون إليه أي تميلون إليه بأنه يعلم محمداً - صلى الله عليه وسلم - القرآن أعجمي ، بينما القرآن بلسان عربي مبين .

الموضع الرابع : في قوله تعالى من سورة الحج الآية (25) (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ۚ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) أي ومن يرد فيه إلحاداً بظلم نذقه من عذاب أليم ، وهو أن يميل في البيت الحرام بظلم سيذيقه الله تعالى عذاباً أليماً . هذه الآيات التي ذكر الله تعالى فيها الإلحاد ، وأما الإلحاد الذي بمعنى إنكار وجود الله تعالى فهذا يدخل في الآية الأولى في قوله (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) لكن الإلحاد في وجود الله تعالى قليل جداً جداً بالنسبة لباقي أنواع الإلحاد في أسماء الله تعالى التي ذكرتها . والأخوة في مركز صناعة المحاور أو مركز " بينات " يقتصرون على محاورة الملحدين الذين ينكرون وجود الله تعالى دون غيرهم . ولذلك تجدهم يشاركون الملحدين الآخرين في مؤتمرات وملتقيات ومحاضرات لمحاورة الملحدين الذين ينكرون وجود الله تعالى . فمثلاً الرافضة والإباضية والمعتزلة الذين يعقدون مؤتمرات عن الإلحاد هم ملحدون ، لأنهم ينكرون علو الله تعالى على خلقه ويقولون بصريح العبارة ليس فوق العرش إلهٌ يُعبد ، والله تعالى ليس فوق الخلق ولا دونهم ولا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلاً به ولا منفصلاً ولا ملامساً للخلق ولا مبايناً عنه ولا عن يمين الخلق ولا عن شماله ولا أمامه ولا خلفه ولا ولا ولا ولا وهذا إلحاد ظاهر جلي بل كفر بالله تعالى صريح ومع ذلك ليس لصناع المحاورين موقف من هؤلاء الملاحدة .

وللحديث بقية إن شاء الله تعالى إذا كان في العمر بقية

والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .