الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين والعاقبة للمتقين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين، أما بعد:

فإن مما لا يشك به أي مسلم أن إبليس كافر بنص قول الله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)) (سورة البقرة) لكن هل إبليس ملحد؟ إن كان الإلحاد هو إنكار وجود الله تعالى فإبليس "الكافر" بهذا المعنى ليس ملحداً، لأنه لا ينكر وجود الله تعالى بل يقر بأن الله تعالى موجود وأنه خالقه، قال الله تعالى عن إبليس أنه قال : (أَنا خَيرٌ مِنهُ خَلَقتَني مِن نارٍ وَخَلَقتَهُ مِن طينٍ) سورة (ص) (76) وأن الله ربه وأقر بيوم البعث وأقر بأن الله تعالى يُدْعى ويستجيب الدعاء فدعاه واستجاب الله له قال الله تعالى: (قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)) (سورة الحِجْر) ، فقوله (رَبِّ) إقرار بالربوبية وقوله (فَأَنْظِرْنِي) دعاء، وقوله (إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) إقرار بيوم البعث، وكذلك يقر إبليس بأن الله تعالى ذو عزة وأقسم لله بعزته ليغوين عباد الله أجمعين واستثنى منهم المخلَصين، قال الله تعالى: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)) (سورة ص) ومع كل ما أقر به فهو "كافر" ولم ينفعه إقراره شيئاً قال الله تعالى : (إِلّا إِبليسَ استَكبَرَ وَكانَ مِنَ الكافِرينَ) (سورة ص) (74) فإبليس "كافر" ولو أقر بذلك كله.

والحق الذي لا ريب فيه أن الله تعالى ما أرسل الرسل ولا أنزل الكتب لدعوة الخلق إلى إثبات وجوده، لأن الإيمان بوجود الله تعالى المجرد عن عبادته وعدم الشرك به لا يجدي شيئاً ولن يدخل صاحبه الإسلام ولا ينجيه من الكفر ولن يدخل به الجنة ولن ينجيه من النار. وإنما خلق الله تعالى الجن والإنس لعبادته وحده لا شريك له، لا ليقروا بوجوده فحسب، قال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (56) (سورة الذاريات) وقال الله تعالى: (يا أَيُّهَا النّاسُ اعبُدوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُم وَالَّذينَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَّقونَ(21)) (سورة البقرة) ومن أجل عبادة الله تعالى أرسل الله تعالى الرسل وأنزل الكتب قال الله تعالى: (وَلَقَد بَعَثنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسولًا أَنِ اعبُدُوا اللَّهَ وَاجتَنِبُوا الطّاغوتَ (36)) (سورة النحل) ، وقال الله تعالى: (وَما أَرسَلنا مِن قَبلِكَ مِن رَسولٍ إِلّا نوحي إِلَيهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلّا أَنا فَاعبُدونِ) (25) (سورة الأنبياء) . بل لو أن شخصاً “ ما “ آمن بوجود الله تعالى وآمن بأنه هو الرب الخالق المالك المستحق للعبادة وعبد الله تعالى عمره كله لكنه أشرك معه غيره ما صح إسلامه ولحبطت أعماله.

قال الله تعالى لنبيه وعبده ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم: (وَلَقَد أوحِيَ إِلَيكَ وَإِلَى الَّذينَ مِن قَبلِكَ لَئِن أَشرَكتَ لَيَحبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكونَنَّ مِنَ الخاسِرينَ(65)) (سورة الزمر) ، وقال الله تعالى عن الأنبياء بعد أن ذكرهم في سورة الأنعام (وَلَو أَشرَكوا لَحَبِطَ عَنهُم ما كانوا يَعمَلونَ(88)) وهذه العبادة لوجه الله تعالى لن تكون مقبولة ما لم تكن على سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - قال الله تعالى : (وَما آتاكُمُ الرَّسولُ فَخُذوهُ وَما نَهاكُم عَنهُ فَانتَهوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَديدُ العِقابِ) (7) (سورة الحشر) ، وقال الله تعالى : (قُل إِن كُنتُم تُحِبّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعوني يُحبِبكُمُ اللَّهُ وَيَغفِر لَكُم ذُنوبَكُم وَاللَّهُ غَفورٌ رَحيمٌ) (31) (سورة آل عمران) .

فيا دكتور مطلق الجاسر هذه دعوة الرسل وهذا منهجهم في الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له والمتابعة التامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والواجب عليك أن تعيد المسار في دعوتك وتعيد النظر في منهجك وتتمسك بمنهج القرآن والسنة فالإلحاد الذي ذكره الله تعالى في كتابه هو الإلحاد في آيات الله والإلحاد في أسمائه قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذينَ يُلحِدونَ في آياتِنا لا يَخفَونَ عَلَينا)(40) (سورة فصلت) وقال تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (180) (سورة الاعراف) والإلحاد الذي يكون في آيات الله وأسماءه وصفاته يكون بالميل بها عن الصواب بأي وجه كان، إما بإنكارها وجحودها أو تكذيب ما جاء بها، وإما بتحريفها وتصريفها عن معناها الحقيقي وإثبات معان لها ما أرادها الله منها. وأكثر الذين ينكرون وجود الله تعالى إما مجانين أو ينكرون وجود الله تعالى على سبيل المكابرة كفرعون. وكثير ممن ينكرون وجود الله تعالى إنما يقصدون من وراء ذلك التحرر من العبودية لله تعالى إلى عبودية الهوى، ويريدون التخلص من إلتزام أمر الله ورسوله، قال الله تعالى: (أَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنتَ تَكونُ عَلَيهِ وَكيلًا)(43) (سورة الفرقان) وأكثر المعروفين بمناظرة مَن ينكر وجود الله تعالى هم أنفسهم ممن يلحد في آياته وفي أسمائه وصفاته. ويتسترون على عقائدهم الضالة الملحدة تحت ستار الردود على منكري وجود الله تعالى.

يا دكتور مطلق الجاسر لعلك سمعت بما يسمى بمشروع " وحدة الأديان الإسلام واليهودية والنصرانية " فعلى ماذا يتوحدون؟ يتوحدون ضد الإلحاد وضد اللاديني.

فهل عرفت يا دكتور سبب اجتهادهم في محاربة الإلحاد؟ إذا ما عرفت السبب سأنبئك به وبكل شفافية ووضوح وصراحة تامة: هؤلاء يريدون جمع أكبر قدر ممكن من الأحزاب والمذاهب والملل والنحل فلا فرق عندهم بين المسلم واليهودي والنصراني والسني والرافضي والجهمي والمعتزلي والإباضي والخارجي والأشعري والماتوريدي والصوفي وغيرهم، وهؤلاء مجمعون على وجود الله تعالى: فـ (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14) (سورة الحشر) . فكل واحد منهم له عقيدته الخاصة به في قلبه، وإنما يجتمعون ضد الحق والتوحيد والسنة وما وجدوا جامعاً مشتركاً بينهم إلا الإقرار بوجود الله تعالى وإبليس يتفق معهم على ذلك. والله المستعان. والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.