موقع الشيخ
حفظه الله
سالم بن سعد الطويل

آفة الفهم السقيم

23 جمادى الأولى 1427 |

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام علي خاتم النبيين وعلي آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فلقد ذكرت لك أخي القارئ فيما سبق أن الدين عند الله الإسلام، ولا يقبل الله تعالى من أحد دينا سواه، قال تعالى: { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ } [آل عمران 19] وقال تعالى { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) } [آل عمران] وبعد هذا يتبين لنا أن من لم يقبل الإسلام فهو «كافر» كما قال تعالى: { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2) } [التغابن] وهذا هو الحق الذي يجب على كل مسلم اعتقاده، ولا يجوز بحال من الأحوال أن نكذب الله تعالى ورسوله أو أن نستنكف عن قول الحق أو نتجنب الأسماء والألقاب الشرعية أو نستبدلها بألقاب وأسماء لا تعطي مدلولها ولا مراد الله ورسوله، إذا علمت هذا عرفت خطأ كثير من الكتاب والمتكلمين والمنظرين والمثقفين الذين ظنوا ظنا باطلا بأن اسم ولقب «كافر» يجب ألا يطلق على أحد، ولا يستعمل في حق أحد وأنه سبب الإرهاب!! لقد بلغ الجهل مبلغا عظيما حتى توقفوا عن إطلاق اسم «كافر» على من يطلق على نفسه!! قال تعالى: { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ۚ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) } [التوبة] بل أنزل الله تعالى في كتابه سورةً عظيمة هي من أعظم سور القرآن كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في الصباح والمساء اسمها سورة (الكافرون) ، صدرها الله تعالى بقوله { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) } [الكافرون 1-2] فماذا نفعل هل نلغيها من القرآن تجنبا للإرهاب؟!

عزيزي القارئ، الإرهاب ليس سببه التمسك بالكتاب والسنة بل له أسبابه الكثيرة التي من أهمها وأخطرها الفهم السقيم لنصوص القرآن الكريم لذا قيل:

وكم من عائب قولا صحيحا * * * وآفته من الفهم السقيم.

فالناس على طرفين ووسط؛ فمنهم من ظن أن كل كافر يستحق القتل على الإطلاق، فطفق يقتل ما هب ودب من الكفار حتى النساء والأطفال بل وتجاوزهم فقتل المسلمين والأبرياء، وقابل هؤلاء من قال لا نطلق لقب «كافر» على أحد؛ لا اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا الباطنيين ولا عباد الأصنام والأوثان ولا عباد الأولياء والصالحين بحجة أن إطلاق لقب «الكفر» على هؤلاء يولد الإرهاب عند بعض الناس، وهؤلاء وأولئك كل منهم قد جانب الحق وضل سواء السبيل، وأهل الحق وسط بين هؤلاء وهؤلاء، وبحكم الله حكموا فقالوا عن كل من لم يبتغ الإسلام دينا بأنه كافر، وأن كل من نقض الإسلام ولو تسمى به فهو كافر، وفي المقابل قالوا: الكفار أنواع، وتختلف أحكامهم باختلاف أنواعهم، وهم أربعة أنواع:

النوع الأول: الكافر «المعاهد» وهو الذي بيننا وبينه عهد ألا نقاتله ولا يقاتلنا، فهذا يحرم علينا قتله، ويجب علينا الوفاء بعهده، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (سورة المائدة 1) وقال تعالى (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61)) (سورة الانفال 61)، وروى البخاري في صحيحه في كتاب (الجزية) باب إثم من قتل معاهدا بغير جرم حديث (2930) عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما». أقول: وهذا النوع الأكثر اليوم من الكفار الذين بيننا وبينهم عهود واتفاقيات ألا نقاتلهم ولا يقاتلونا، فنسافر إليهم ويسافرون إلينا، ونتعامل معهم بالبيع والشراء والاستيراد والتصدير والتبادل الثقافي والاقتصادي وغير ذلك، ولا بأس أن نحسن أليهم وندعوهم للإسلام ونرغبهم فيه، قال تعالى (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)) سورة الممتحنة.

النوع الثاني: الكافر «المستأمن» وهو الذي طلب الأمان ودخل بجوارنا وديارنا فهذا إن أعطيناه الأمان فلا يجوز لنا قتله ولا الاعتداء عليه بل نجيره وندعوه للإسلام ونتلوا عليه القرآن ونظهر له محاسن ديننا لعله يسلم؛ لأن أكثر الكفار لا يعلم حقيقة الإسلام أو وصل إليه الإسلام بصورة مشوهة، قال تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6)) سورة التوبة.

النوع الثالث: الكافر «الذمي» وهو الذي يدفع الجزية المفروضة عليه للحاكم أو نائبه نظير إقامته في بلاد المسلمين مع بقائه على دينه، قال تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)) سورة التوبة، فإذا أدى الذي عليه فلا يجوز قتله.

النوع الرابع: الكافر «المحارب» وهو الذي بيننا وبينه قتال، فهؤلاء نقاتلهم ويقاتلوننا، قال تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36)) التوبة ، وقال تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193)) سورة البقرة، فهذا النوع هو الوحيد من الأنواع الأربعة الذين يشرع قتالهم، ومع ذلك بشروط وضوابط، والتي من أهمها أن يكون القتال تحت راية واضحة بإذن ولي الأمر الشرعي، وأن يكون للمسلمين القدرة والقوة والعدد والعدة لقتال الكفار.

والخلاصة:

-يجب أن نكفر من كفره الله ورسوله وشهد على نفسه بالكفر ومن لم يبتغ الإسلام دينا ومن نقض إسلامه بناقض ولو تسمى بالإسلام.

-لا يلزم من الحكم على الكافر بالكفر أن يُسفك دمه ويُستباح ماله وعرضه .

-أن الكفار أنواع، ولهم أحكام، ومن جاز قتاله فإنما يقاتل بشروط وضوابط شرعية.

عزيزي القارىء وقفت على كلام نفيس مسجل بالصوت في أحد المواقع في الشبكة العنكبوتية لشيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى والذي توفاه الله عز وجل قبل أحداث 11 سبتمبر 2001، أحببت أن تطلع عليه لتعرف منهجه ورأيه في التفجيرات في بلاد الكفار، قال رحمه الله تعالى: «ولما ظهرت قضية الإخوان الذين يتصرفون بغير حكمة؛ ازداد تشويه الإسلام بنظر الغربيين وغير الغربيين، وأعني بهم أولئك الذين يلقون المتفجرات في صفوف الناس زعما منهم أن هذا من الجهاد في سبيل الله، والحقيقة أنهم أساؤوا إلى الإسلام وأهل الإسلام أكثر بكثير مما أحسنوا.. ماذا أنتج هؤلاء.. أسألكم؟؟ هل أقبل الكفار على الإسلام او أزدادوا نفرة منه؟؟ وأهل الاسلام يكاد الإنسان يغطي وجهه؛ لئلا ينسب إلى هذه الطائفة المرجفة المروعة، والإسلام بريء منهم، حتى بعد أن فرض الجهاد ما كان الصحابة رضي الله عنهم يذهبون إلى مجتمع الكفار يقتلونهم أبدا إلا بجهاد له راية من ولي قادر على الجهاد، أما هذا الإرهاب فهو والله نقص على المسلمين، أقسم بالله لأننا نجد نتائجه ما فيه نتيجة أبدا بل هو بالعكس فيه تشويه السمعة، ولو أننا سلكنا الحكمة فاتقينا الله في أنفسنا وأصلحنا أنفسنا أولا ثم حاولنا إصلاح غيرنا بالطرق الشرعية؛ لكانت نتيجة هذه نتيجة طيبة». انتهى كلامه. نقلته لك حرفيا، هذا وأسأل الله أن يفقهنا في ديننا ويرزقنا العلم النافع والعمل الصالح.

والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المقالات