《حوار مع أحد مستمعي صلاح أبو عرفة》(١)

1438/08/14 | 2017-07-08

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد ظهر في السنوات الأخيرة رجل يدعى صلاح الدين أبو عرفة يدعي العلم، وقد اعتاد على الطعن في علماء أهل السنة خاصة، ينتقصهم ويزعم أنهم على ملة غير ملة الأنبياء، وفي المقابل يزعم لنفسه التمسك بالكتاب والنبوة، وزعم أن العلماء منذ قرون في ضلال مبين!!

وكأن الله تعالى اختاره من بين البشر واصطفاه، وحباه وفضله، على كثير من العلماء تفضيلاً، فيرى نفسه لا مثيل له منذ أكثر من عشرة قرون.

ولقد زاد بلاؤه حتى دعا إلى إحراق كتب العلماء والفقهاء والمفسرين والمحدثين ليخلو له الجو فيتبع وحده!!

وأكثر من يتسلط عليهم من العلماء شيخي الإسلام ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ الألباني، وشيخنا محمد بن صالح العثيمين، وغيرهم رحمهم الله تعالى جميعاً وجزاهم الله جل وعلا بالحسنات إحساناً.

وقد تأثر به بعض الإخوة الطيبين - أحسبهم كذلك - وتأثر به آخرون غير طيبين، أسأل الله تعالى لهم الهداية.

وقد فرح بدعوته أعداء السنة من الروافض وغلاة الصوفية والأحباش وغيرهم.

ولقد رددت عليه - بحمد الله تعالى - في مقاطع مصورة بلغت ثلاثةً وعشرين مقطعاً، أسأل الله تعالى أن ينفع بها.

وراسلني أحد الإخوة ممن يستمع إليه، لكنه غير متعصب له، فهو حسب كلامه يسمع له ويسمع لغيره أيضا، ولمست فيه الرغبة في معرفة الحق واتباعه، فسألني مستفهماً مستفيداً، فقيدت بعض الأسئلة وعدلت فيها ما احتاج إلى تعديل، فكتبت هذا الحوار لعل الله تعالى أن ينفع به من شاء من عباده.

قال السائل: ألا يكفي أن يقال أن النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه رضي الله عنهم وحدوا الله تعالى، ودعوا إلى التوحيد، ولم يقسموه إلى ثلاثة أقسام مع معرفتهم لكتاب الله تعالى؟

فقلت له: بلى يكفي أن توحد الله تعالى وتدعو إلى توحيده، وليس بالضرورة أن تقول التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام، لكنِّ الضروري أن توحد الله تعالى بما يستحق وبما هو حقه الخالص، فالله تعالى لا شريك له في أفعاله، قال تعالى: ﴿ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ﴾ [البروج: ١٦]، وقال تعالى: ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ [الأنبياء: ٢٣].

والله تعالى خالق لكل شيء لا شريك له، قال تعالى: ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [الزمر: ٦٢].

وهو وحده مالك لكل شيء، قال تعالى: ﴿ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ﴾ [التغابن: ١]، وقال تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾ [آل عمران: ٢٦].

وهو تعالى مدبر لكل شيء وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾ [الأعراف: ٥٤].

والله وحده الإله الحق المستحق للعبادة لا شريك له، وكل من سواه إن عُبِدَ فهو معبود بالباطل، قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ ﴾ [لقمان: ٣٠]، فلا يستحق العبادة أحد سواه، لا الملائكة المقربون، ولا الأنبياء المرسلون، ولا الأولياء الصالحون، ولا غيرهم، وهذا معنى لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ويجب أن نعبده وحده ولا نشرك به أحدا، قال تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ [النساء: ٣٦].

والله وحده مستحق لأسمائه الحسنى، قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ [الأعراف: ١٨٠].

ولله وحده صفات الكمال والجلال والجمال والعظمة والكبرياء لا شريك له، ولا مثيل له، ولا سمي له، قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى ﴾ [النحل: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ [الشورى: ١١].

فنؤمن بذلك مع عدم إحاطتنا بكيفية ذات الله وصفاته، قال تعالى ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ [طه: ١١١].

فمن آمن بهذا وعمل به ولم يناقضه فلا يضره لو لم يقل التوحيد ينقسم ثلاثة أقسام، لأن المقصود المضمون لا الإصطلاح، وإنما اصطلح ذلك بعض العلماء المجتهدين جزاهم الله خيراً، فذكروا أقسام التوحيد الذي استنبطوه من القرآن والسنة تسهيلاً وتبسيطاً لطلبة العلم وعامة المسلمين، وقد أحسنوا في ذلك، لا كما يزعم صلاح أبو عرفة زوراً وبهتاناً وظلماً لما قال أن هذا التقسيم الثلاثي للتوحيد هو كتثليث النصارى!!

﴿ سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾ [النور: ١٦]!

النصارى يقولون إن الله ثالث ثلاثة، أي أنهم مشركون، يعبدون ثلاثة آلهة، يعبدون الله ويسمونه الأب، ويعبدون عيسى ابن مريم عليهما السلام ويسمونه الابن، ويعبدون روح القدس، وقد كفروا بذلك، كما قال تعالى: ﴿ لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَة ﴾ [المائدة: ٧٣].

بينما علماء أهل السنة يقولون: ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾ [البقرة: ١٦٣]، فكيف أَذِنَ أبو عرفة للسانه أن ينطق بهذا الكلام القبيح المظلم؟!

متى كان التوحيد كالشرك؟ ومتى صار الموحدون كالمشركين؟ قال تعالى: ﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ﴾ [القلم: ٣٥].

والعجيب في أمر صلاح أبو عرفة أنه يدافع عن عُبّاد القبور وعُبّاد الأولياء عباد الأموات، ويشهد لهم بالإسلام بحجة أنهم يقولون لا إله إلا الله ولو نقضوها صباح مساء، ثم يجرأ على أهل التوحيد ويقول توحيدهم كتثليث النصارى!! والله المستعان!!

السائل: لما أرسل النبي ﷺ معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن؟ هل أوصاه أن يدعوهم إلى التوحيد بهذه الأقسام، وقال له من أنكر منها واحداً فهو ليس بمسلم؟

قلت: لقد أمر النبي ﷺ معاذ بن جبل رضي الله عنه أن يدعوهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وفي رواية قال له: «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى»، وفي رواية: «فَادْعُهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ»، وقال له: «فإنْ هُمْ أطاعُوكَ لِذَلِكَ»، وفي لفظ: «فَإِنْ أَقَرُّوا بِذَلِكَ»، وفي لفظ: «فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ» إلى آخر الحديث، وهذا يدل على أن المطلوب من معاذ بن جبل رضي الله عنه أن يبين لهم معنى التوحيد، وإذا احتاجوا للتكرار والبيان كرر لهم وبين لهم، لا مجرد أن يقولوا لا إله إلا الله، كما يبين لهم الصلوات الخمس، فلا يكفي يقول لهم خمس صلوات دون أن يبين لهم شروطها وأركانها وواجباتها ومستحباتها وصفتها، وهكذا الزكاة والصيام وسائر الأحكام.

إذن أخي الكريم، إذا تبين لك معنى أقسام التوحيد بالأدلة فلا شك أن من ادعى أن مع الله شريكاً في أفعاله أو شريكاً في العبادة أو شريكاً في أسمائه وصفاته فقد كفر وأشرك.

فلا تظن أبداً أن كل من قال لا إله إلا الله فهو مسلم، وسيدخل الجنة، حتى لو أشرك بالله فزعم أن لله شريكا في أفعاله، أو صرف العبادة لغير الله، أو اعتقد بأن لله مثيلا يماثله ولو في صفة واحدة من صفاته.

فالموحد لن يكون موحداً توحيداً صحيحاً مقبولاً ينجو به من النار ويدخل به الجنة إلا إذا جاء بالتوحيد الذي أنزل الله تعالى به كتبه وأرسل به رسله.

أعيد عليك وأكرر: لا يضر المسلم شيء لو لم يقل التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام، ويمكن أن يكون موحدا توحيدا صحيحا ولو لم يعرف هذه الأقسام، بل ولم يسمع بها في حياته قط، المهم أن يكون التوحيد بمفهومه الصحيح الشامل في قلبه وأقواله وأفعاله ولا يشرك بالله تعالى شيئا، لا في اعتقاده، ولا في أقواله ولا في أفعاله.

وللحوار بقية...