يا أيها القحطاني أتشك بعلم الشيخ ابن باز وفقهه وتغتر بــ «أبو عرفة» الإعلامي؟! [١/ ٣]ض

1438/10/22 | 2017-07-16

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فهذه رسالة كتبتها لأخ قحطاني من سكان الرياض، لَبَّسَ عليه ذلك الإعلامي المتحامل على علماء التوحيد والسنة المدعو صلاح الدين أبو عرفة المتخصص بالدعاية والإعلام - خريج بريطانيا -، والذي لَبِسَ عباءة العلماء زورا، فظن نفسه عالم زمانه بل والزمان الذي قبله.

كان هذا المذكور قد سجل حلقة تعقب فيها فتوى في التوحيد لسماحة الشيخ العلامة المفتي عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، وتهجم في كلامه على الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى.

واعلم أخي القارئ الكريم أن الإعلامي أبو عرفة يدعي لنفسه المتمسك الأوحد بالكتاب والسنة في هذا العصر، بل وربما قبل هذا العصر بعشرة قرون لم يخلق الله تعالى مثله، فلا يعجبه أحد من أئمة المسلمين، بل ويلقب نفسه بــ «الإمام»، ويلمح بأنه قد يكون المهدي الذي يظهر آخر الزمان، ويأمل أن يلتقي بعيسى ابن مريم عليه السلام ويزكيه من دون الناس بالمهدوية!!

وقد اغتر به بعض الناس، فمنهم من يقول: وما المانع أن يكون هو المهدي حقا؟ ومنهم من يجزم بأنه المهدي!!

ولقد اشتدت عداوة أبو عرفة للعلم وأهله فدعا إلى إحراق كتب العلماء والفقهاء والمفسرين والمحدثين، بل كل كتب المسلمين في تفسير القرآن والحديث والفقه والأصول وغيرها من تراث المسلمين العظيم، وهذه دعوة لم يفطن لها أعداء الإسلام، والله المستعان!!

وبداية متابعتي لأبو عرفة عندما وصلني مقطع مصور له يتكلم فيه بشراسة ووقاحة وانفعال، وبيده ورقة ذُكِرَ فيها أن سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى سئل عن جماعة من الناس قتلت لهم امرأة فسألوها وهي ميتة الشفاعة فما حكم ذلك؟

فأجاب الشيخ رحمه الله تعالى بقوله: «سؤال الميت الشفاعة من دون الله من الشرك الأكبر...الخ».

والجواب لم يعجب هذا الإعلامي، فبادر بالتعقيب عليه، ويا ليته تأدب بالرد، بل أساء إساءة شديدة، ووصفه الشيخ ابن باز بــ «الكذاب» والعياذ بالله! لم يرد ردا علميا، فهو لا يحسن الرد العلمي أصلا، وليس له أهل، وأنّى له أن يرد ردا علميا وهو متخصص بالدعاية والإعلام من بلاد الغرب، والشيخ ابن باز رحمه الله تعالى هو من هو، فأين الثرى من الثريا؟!!

ولقد راسلني أخ قحطاني من بلاد التوحيد والسنة - من بلاد الحرمين من مدينة جدة -، وقد تشكك بعد سماعه لشبهات أبو عرفة، لذا سألني عن الأدلة التي استند عليها الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، والتي تدل على أن دعاء غير الله تعالى من الشرك الأكبر.

فكتبت هذا الجواب لعل الله تعالى أن ينفعه به خاصة، وينفع من شاء من عباده عامة، فأقول وبالله أستعين، وعليه أتوكل وإليه أنيب:

لقد خلقنا الله تعالى لعبادته وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: ٥٦]، قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: «إلا ليُوَحِّدون». وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: ٢١]، وقال تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء: ٢٣]، ونهى عباده أن يشركوا معه أحدا من خلقه في أي عبادة من العبادات، وزجرهم عن الشرك، فقال تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ [النساء: ٣٦]، أي لا تشركوا به أي شيء من الأشياء، لا ملك ولا نبي، ولا ولي ولا شهيد، ولا حجر ولا شجر، ولا صنم ولا وثن، ولا إنس ولا جن، ولا حي ولا ميت، ولا طيب ولا خبيث، ولا غير ذلك.

ولا فرق بين من عبد من دون الله ملكا أو شيطانا، أو نبيا أو طاغوتا، فالشرك هو عبادة غير الله مع الله أو عبادة من دون الله مع الله، وكل المخلوقات هي غير الله ومن دونه فلا إله إلا الله.

والواجب أن يكون الدين كله لله، ليس للمخلوقات منه شيء، ولقد توعد الله من يشرك به بأشد الوعيد، فقال تعالى: ﴿ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَار﴾ [المائدة: ٧٢]، وأخبر تعالى أن الشرك هو الذنب الذي لا يغفره لصاحبه، فقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ [النساء: ١١٦]، وأخبر الله تعالى أن الشرك محبط للعمل، فقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ❊ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ [الزمر: ٦٥-٦٦].

والعبادات أنواع كثيرة، منها قولية، ومنها فعلية، ومنها ظاهرة، ومنها باطنة، ومنها باللسان، ومنها بالأبدان، ومنها قلبية، ومنها مالية، ومن أعظمها «الدعاء»، بل ما من عبادة إلا وتتضمن الدعاء، فلذلك قال أهل العلم: الدعاء نوعان، دعاء مسألة، ودعاء عبادة، ولأهمية الدعاء وفضله قال النبي ﷺ: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» [أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه، وصححه الألباني (١٤٧٩)، و(٣٣٧٢)، و(٣٨٢٨)]، فإذا عرفت هذا تبين لك لماذا أن الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى وغيره من أهل العلم لما قالوا دعاء الأموات من دون الله شرك، حتما لأنه عبادة لغير الله تعالى، والله تعالى قال في كتابه: ﴿ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾ [غافر: ١٤]، وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقال تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر: ٦٠] ، وفي هذه الآية فوائد:

الفائدة الأولى: أن الله تعالى قال: ﴿ ادْعُونِي ﴾، ولم يقل ادعوا الملائكة أو الرسل أو الأولياء أو الشهداء أو الأحياء أو الأموات، بل قال: ﴿ادْعُونِي﴾.

الفائدة الثانية: وعد بالاستجابة، والله لا يخلف الميعاد، فإذا أمرنا الله بدعائه ووعدنا بالاستجابة فلماذا ندعو غيره؟ تالله إن هذا لسفه عظيم.

الفائدة الثالثة: في الآية دليل على أن الدعاء عبادة، لأن الله تعالى قال: ﴿ ادْعُونِي ﴾، ثم قال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ﴾ أي دعائي، وهذا دليل على أن من دعا مخلوقا فقد عبده من دون الله، وهذا هو الشرك بعينه.

الفائدة الرابعة: التطابق التام بين الآية وبين حديث: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ».

ومن الأدلة الدالة بوضوح تام على أن دعاء غير الله شرك قول الله تعالى في حق الذين يدعون من دون الله: ﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ❊ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير ﴾ [فاطر: ١٣-١٤]، سبحان الله لو تدبر عباد القبور وعباد الأولياء هذه الآيات لأدركوا ما هم فيه من الضلال المبين:

أولا: الآيات تعم كل ما يدعى من دون الله، من الأصنام والأوثان والأولياء والشهداء وغيرهم، فكل من سوى الله هم دون الله تعالى.

ثانيا: أخبر جل وعلا أن المدعوين من دون الله لا يسمعون دعاء من دعاهم، فمن السفاهة والضلال دعاء من لا يسمع.

ثالثا: حتى لو على فرض أنهم سمعوا الدعاء فلا قدرة لهم على الإجابة، وهذه سفاهة وضلالة أخرى تستوجب عدم دعائهم من دون الله تعالى.

رابعا: وقوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ﴾، نص صريح في بيان أن دعاء غير الله شرك بالله تعالى.

ومن الأدلة على أن دعاء غير الله شرك قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ❊ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ﴾ [الأحقاف: ٥-٦].

فقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ ﴾ استفهام بمعنى النفي، أي لا أحد أضل ممن يدعو من دون الله، فلو كان دعاء غير الله ليس شركا لما صح وصفه بأنه الأضل على الإطلاق.

ومن الأدلة على أن دعاء غير الله شرك قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ❊ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: ١٦٢-١٦٣]، فقوله تعالى: ﴿ صَلَاتِي ﴾ يشمل الدعاء، ولذا سميت الصلاة صلاة لأنها تشتمل على دعاء المسألة ودعاء العبادة، وقوله: ﴿ وَنُسُكِي ﴾ يطلق النسك ويراد به الذبيحة، وقد يراد به عموم العبادات، ولا منافاة بين التفسيرين، وبالمعنى الثاني يدخل فيه الدعاء، والله يقول: ﴿ لَا شَرِيكَ لَهُ ﴾.

وللحديث بقية إن شاء الله تعالى...

والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.