أيها القحطاني أتشك بعلم الشيخ ابن باز وفقهه وتغتر بـــ«أبو عرفة» الإعلامي؟! [٢/ ٣]

1438/10/24 | 2017-07-18

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

فهذا المقال الثاني في بيان أن من الشرك دعاء المخلوق من دون الله تعالى وذكر الأدلة على ذلك، فأقول وبالله أستعين:

ومن الأدلة قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [يونس: ١٠٦] أي من المشركين بالله، قاله الطبري رحمه الله في «تفسيره»، والشرك هو أعظم الظلم كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: ١٣]، والكافر ظالم كما قال تعالى: ﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: ٢٥٤].

ومن الأدلة على أن دعاء غير الله عبادة له من دون الله تعالى قول الله عز وجل عن إبراهيم الخليل عليه السلام: ﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا ۝ فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا ﴾ [مريم: ٤٨-٤٩]، فقد قال: ﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ ﴾ ثم قال: ﴿ فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ ﴾، لأن كما قال النبي ﷺ: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» [أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه، وصححه الألباني (١٤٧٩)، و(٣٣٧٢)، و(٣٨٢٨)]، فمن دعا مخلوقا من دون الله فقد عبده مع الله وهذا هو الشرك، ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي ﴾ [غافر: ٦٦].

ومن الأدلة أيضا قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، فجعل الله تعالى الدين بدلا من الدعاء، وعرفه بالألف واللام التي تفيد العهد، فدل ذلك على أن الدعاء دين، وما كان دينا فهو عبادة، ومن صرف العبادة لغير الله فقد أشرك بالله تعالى.

ومن الأدلة قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ﴾ [الجن: ٢٠]، وقوله: ﴿ أَحَدًا ﴾ نكرة في سياق النفي تفيد العموم، أي لا أدعو أي أحد، ومثله قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾ [الجن: ١٨].

ولعل في هذا القدر من الأدلة كافية لمن أراد الحق وحسنت نيته أن يعلم - بل ويتيقن - أن الدعاء عبادة يجب إخلاصه لله وحده، وأن من دعا المخلوق من دون الله فقد أشرك بالله.

وإني يا أخي الكريم أعتب عليك وأتعجب من أمرك، كيف لا تتفكر في حال أبو عرفة؟!

فهذا الرجل لم يتعلم، وليس له مشايخ ولا مدرسون ولا أساتذة، وإنما قدم من بريطانيا بعد ما درس دعاية وإعلام، ثم فجأة تحول إلى عالم ليس على وجه الأرض مثله!!

فمن كان كذلك يخشى منه، ونكون منه على حذر، ولقد سألته هل تعرف عالماً واحداً مثلك منذ عشرة قرون؟ فما ذكر عالماً واحداً من القرن الرابع إلى يومنا هذا!!

وبعض الإخوة يقول: وما الذي يضر إذا كان إعلاميا؟ أليس من العلماء من كان مهنيا في مهنة ما ثم صار عالما، ومنهم الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، فقد كان ساعاتيا (مصلح ساعات)، أليس كذلك؟

فأقول: بلى، لا مانع أن يكون الإعلامي عالماً إذا صار عالماً، مثل الشيخ الألباني رحمه الله تعالى كان ساعاتياً فصار عالماً، أما أبو عرفة فما صار عالماً، وإنما قفز من الإعلام والدعاية إلى أن يكون إماماً متبعاً ليس على مشارق الأرض ومغاربها مثله، بل لم ير مثل نفسه منذ عشرة قرون!! فكيف تغتر به وتقدمه على علماء الأمة؟!

فالشيخ ابن باز عالم كبير، يقر بعلمه القاصي والداني، والموافق والمخالف، وتشهد له كتبه ومقالاته ومحاضراته وفتاواه، وله مشايخ تعلم عليهم، وعشرات الآلاف تتلمذوا عليه، وتظهر عليه علامات التقوى والرحمة والنصح والرفق، ولا نزكي على الله أحدا من خلقه، وأما أبو عرفة - هداه الله - فسباب شتام يحتقر الآخرين، ويربي المغترين به على السب واللمز والتنابز بالألقاب، ويسب الموتى ويؤذي الأحياء.

فالرجل خرج فجأة من الدعاية والإعلام، وزعم أنه الأوحد والإمام المستحق أن يتبع، ودعا إلى نبذ كتب المسلمين وتراثهم العظيم وإحراقها بالنار لتكون رماداً وليخلو له الجو، فيزرع في نفوس المسلمين من هواه ما ليس من الدين، فتنبه لهذا الأمر الخطير، فالفرق كبير بين من يعلم ومن لا يعلم، والله يقول: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الزمر: ٩]؟!

فالشيخ ابن باز رحمه الله وهو من هو، وأما أبو عرفة فإني أكرر وأعيد بأنه متخصص بالدعاية والإعلام، ولي في هذا التكرار قصد، وسأضرب لك مثلا.

لو اشتكي رجل من مرض في بطنه فإنه لن يذهب إلى فني تصليح هواتف جوالة ولا إلى فني تصليح سيارات ليتعالج، وإنما سيذهب إلى طبيب، ولن يذهب إلى طبيب بيطري، وإنما يذهب إلى طبيب بشري، ولن يذهب إلى طبيب أسنان، وإنما سيذهب إلى طبيب باطنية، وسيبحث عن طبيب ماهر عنده خبرة، وكلما كانت خبرته أكبر ومتمرس سنوات أطول في مهنته كلما كان أفضل وأرغب للعلاج عنده، أليس كذلك؟

وهذا كله ليعالج بدنه الذي مصيره الفناء، فكيف يرضى أن يأخذ دينه ممن لا علم له ولا عرف به؟

فالتوحيد أمره عظيم، يتوقف عليه خلود في الجنة أو خلود في السعير، والواجب علينا أن نتحرى فيه أشد التحري، فاحرص على أن تأخذ توحيدك من العلماء كالشيخ ابن باز رحمه الله تعالى مثلا، وليس من أبو عرفة - خريج الدعاية والإعلام من بريطانيا -، فهو لم يدرس التوحيد، ولا تتلمذ على علماء التوحيد، ولا يفهم فيه فضلا أن يكون متخصصا في بابه، فتنبه لهذا الأمر المهم.

أسأل الله تعالى أن يهدينا إلى التوحيد الخالص، ويثبتنا عليه، وللحديث بقية إن شاء الله تعالى...