نعم الذبح لغير الله تعالى شرك .. والرد على الإعلامي الأخ صلاح أبو عرفة

1438/12/18 | 2017-09-09

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فلقد راسلني أحد المتأثرين بالإعلامي صلاح أبو عرفة وطالبني بالدليل على أن الذبح لغير الله شرك، وقال: أن النبي ﷺ قال: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ»، ولم يقل: «من ذبح لغير الله فقد أشرك». انتهى كلامه.

أقول: سبحان من يرزق الفقه في الدين من يشاء من عباده ممن أراد به خيراً ويصرفه عن من يشاء!

لقد تبين لي أن الإعلامي «أبو عرفة» في عقيدته ومنهجه يشبه كثيراً فرقة الإباضية!!

الذين يزعمون أنهم متمسكون بالقرآن، ويردون كثيراً من الأحاديث، وزعموا أنها تخالف القرآن!!

وفِي الحقيقة أنهم أوتوا من قبل سوء فهمهم للأحاديث، ولو كانوا يفقهون لما وجدوا تعارضاً ولا تناقضاً بين القرآن والأحاديث، وكذلك الأمر عند «أبو عرفة»، فقد ظن أن الذابح لغير الله ملعون فحسب وليس بمشرك!!

وفاته قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦٤]، فكل مشرك بالله ملعون، ومن أهل الكبائر من يكون ملعوناً وإن لم يكن مشركاً.

اعلم أخي القارئ الكريم أن الشرك هو عبادة غير الله كما يعبد الله تعالى، والذبح عبادة كسائر العبادات. ولا يشكل على من رزقه الله تعالى الفقه في الدين أن سجود الملائكة لآدم عليه السلام لم يكن عبادة له من دون الله تعالى . لأن الله تعالى لا يأذن أن يعبد آدم عليه السلام من دونه فضلا أن يأمر بذلك .

واعلم أخي القارئ الكريم أن الله تعالى قد جمع بين عبادتي الصلاة والذبح في موضعين من القرآن:

الأول: في قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢-١٦٣]، ومعني ﴿ونُسُكِي﴾ أي: وذبيحتي.

والثاني: في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، أي: صل لربك واذبح لربك.

فليت شعري ما الفرق بين الصلاة لغير الله والذبح لغير الله؟

ولقد سألت أحد المتأثرين بالإعلامي أبو عرفة سؤالاً فعجز عن الجواب عليه!

سألته عن حكم الصلاة لغير الله تعالى فخشي - والله اعلم - إن قال الصلاة لغير الله شرك فسأطالبه بالدليل الذي ينص على ذلك، وقد يعجز عن ذلك، أو سيقول الصلاة عبادة يجب أن تكون لله وحده، وسيضطر حينئذ أن يعترف بأن الذبح عبادة أيضا وصرفه لغير الله تعالى من الشرك، وهذا هو الحق لأن الصلاة والذبح عبادتان من أخلص بهما لله تعالى فهو الموحد، ومن عبد بهما أو بإحداهما غير الله فقد أشرك.

واعلم أخي القارئ أن الذبح أجل العبادات المالية وأفضلها، والمراد به التقرب إلى المذبوح له تعظيماً وتكبيراً.

ومن المعلوم من الدين بالضرورة أن المسلم إذا ذبح الذبيحة لله تعالى فلن يطعمها ربه الذي ﴿يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: 14]، وإنما يناله التقوى منه، كما قال تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧].

وكذلك الحال تماماً ما يفعله عُبّاد الأولياء لأوليائهم، فإنهم يذبحون الذبائح يتقربون بها للأولياء والموتى وهم يعلمون أن هؤلاء لن يأكلوا منها شيئاً، وإنما ذبحوها تقرباً وتعظيماً لهم، فكيف لا يكون ذلك من الشرك بالله تعالى؟!

ولذلك من ذبح ذبيحة ليأكلها أو يطعمها أهله أو يكرم بها ضيفاً فلا يقال بأنه ذبح لغير الله تعالى، فهذه ليست صورة الذبح لغير الله تعالى، وإنما يذكر بعض الناس هذه الأمثلة للذبح للتلبيس على المسلمين وللتبرير لعباد الأولياء .

إن الذبح الشركي هو ما كان عبادة وتعظيماً وتكبيراً للمذبوح له من دون الله تعالى، فانتبه لهذا جيداً حتى لا تلتبس عليك الأمور فتخلط بين الحلال والحرام، وبين المأذون والمحظور.

أقول: لقد كررت السؤال على أحد المتأثرين بالإعلامي فلم يجبني!!!

تدرجت معه فقلت له:

هل الذبح [لله] عبادة من العبادات أو لا؟

فلم يجبني، لأنه إذا قال: نعم الذبح [لله] تعالى عبادة من العبادات، سأقول له: فما حكم من عبد غير الله بعبادة يجب أن تكون [لله] تعالى وحده؟

لو أجاب على سؤالي بهذا التدرج سيتضح له المعنى جلياً واضحاً، وسيظهر له بطلان ما يقرره الأخ الإعلامي خريج بريطانيا صلاح أبو عرفة.

لكن للأسف كعادتهم يخرجون عن الموضوع فلا يستفيدون ولا يهتدون إلى الحق، ولن يهتدوا إلا أن يشاء ربي.

وظاهر جداً أنما ضَل هؤلاء كما ضَل غيرهم لا لعدم وقوفهم على النصوص، وإنما لعدم فقههم للكتاب والسنة، والنبي ﷺ قال: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهُّ فِي الدِّينِ»، وهذا الفرق الجوهري الكبير بين من علماء التوحيد والسنة وبين مدعي العلم.

وأما قول النبي ﷺ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ»، فهذا لا ينافي قول علماء التوحيد والسنة بأن «من ذبح لغير الله فقد أشرك»، لأنهم أخذوا بالأدلة الأخرى الكثيرة التي تدل على أن صرف العبادات لغير الله تعالى شرك، منها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢-١٦٣]، وقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾[الإسراء: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥].

والأدلة كثيرة تدل على هذا الأمر الجلل العظيم الظاهر الجلي الواضح المبين وإن لم ترد في الكتاب والسنة نصوص يذكر فيها كل عبادة بعينها بأن من صرفها لغير الله تعالى فقد أشرك.

نعم قد لا نجد حديثاً يقول فيه النبي ﷺ من صلى لغير الله فقد أشرك، أو من زكى لغير الله فقد أشرك، أو من صام لغير الله فقد أشرك، أو من حج لغير الله فقد أشرك، لكن لا يختلف اثنان من المسلمين الموحدين على أن من عبد غير الله بهذه العبادات فقد أشرك.

ولقد ظن الإعلامي الأخ أبو عرفة - هداه الله تعالى - أن قول علماء التوحيد والسنة «من ذبح لغير الله فقد أشرك» يفتح باب شر لتكفير المسلمين!! وقوله هذا ليس بسديد من وجوه:

الوجه الأول: أن النبي ﷺ في أكثر من حديث قال نحو هذا القول، كما في حديث: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ»، وحديث: «مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ»، فهل يقال أن النبي ﷺ فتح باب شر لتكفير المسلمين؟!

الوجه الثاني: أن علماء التوحيد والسنة لما قالوا «من ذبح لغير الله فقد أشرك» ليس لم يقصدوا تكفير أعيان المسلمين وإنما أرادوا بيان الحكم.

الوجه الثالث: في قول علماء التوحيد والسنة: «من ذبح لغير الله فقد أشرك» ترهيب وزجر عن هذا الفعل المحرم، وهذا أبلغ من لو قيل الذبح لغير الله لا يجوز، أو هذا من الخطأ، أو من الجهل.

الوجه الرابع: لو لم يقل علماء التوحيد والسنة: «من ذبح لغير الله فقد أشرك» لفهم الناس أن عبادة غير الله تعالى لا بأس بها فهي ليست شركاً، وسيفتح حينئذ باب الشرك بأنواعه

الوجه الخامس: أن الحلف بغير الله تعالى وتعليق التمائم أكثر انتشاراً بكثير في المسلمين من الذبح لغير الله تعالى، وهما أهون من الذبح لغير الله بكثير، ومع ذلك حكم النبي ﷺ على من حلف بغير الله أو علق تميمة بأنه أشرك. الوجه السادس: الأغلب في حال الذين يذبحون لغير الله تعالى أنهم لا يقتصرون هذه العبادة وإنما نجدهم يدعون الأولياء وينذرون لهم ويخافونهم ويرجونهم ويحلفون بهم ويسوونهم برب العالمين .

وهذا ما عجز عن فهمه الأخ الإعلامي أبو عرفة ومن تأثر به، مما جعلهم يتحاملون على علماء التوحيد ويسبونهم ويشتمونهم ويصفونهم بأقبح الألقاب، وما نقموا منهم إلا أنهم دعوا إلى إخلاص الدين لله رب العالمين، ونهوا عن أن يشرك به أحد من خلقه في أي عبادة من العبادات، لا الدعاء ولا الذبح ولا النذر ولا غير ذلك من العبادات التي اعتاد عباد القبور على صرفها للأولياء من دون الله تعالى.

فالحمد لله على نعمة التوحيد والسنة، وجزى الله علماء التوحيد والسنة خير الجزاء، ورفع قدرهم في عليين.

فقد بينوا ونصحوا، وحذروا وصبروا، وأوذوا في سبيل الله في حياتهم وبعد وفاتهم، ولعل الله يقتص لهم من كل حاقد معتد مريب.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.