رسالة لم يحملها البريد: إلى صلاح أبو عرفة في بيان معنى عيسى كلمة الله وروح منه

1439/02/28 | 2017-11-17

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فيا أخ صلاح أبو عرفة وفقك الله لهداه، لما أعرضت عن كلام العلماء وحقرتهم، وزهدت بميراثهم، وقعت بتلك الطوام والضلالات العظام.

ومن آخر ما سمعته لك في مقطع قديم مسجل ومصور قلت فيه بالحرف الواحد: «الناس تظن أن روح فلان فلان.. هذا أنت وأبوك.. أما كل شيء قيل في الله ليس مثلنا ليس كمثله شيء.. روحك أنت أنت.. إذا افترضنا.. إنما إذا قلنا روح الله هذا لا يقتضي ما يُقتضى فيك - ولا لا يا إخوان؟ - ألست تنام وتموت؟ ألست تجهل وتعيا وتمرض؟ هل الله من هذا في شيء؟ فَلِمَ سويت بينه وبينك بالروح؟ دعك أخي.

 فعيسى ابن مريم من روح الله، وعيسى ابن مريم روح الله تبارك اسم الله المجيد، وليس كمثل الله شيء.. عيسى كلمة الله وروح منه، علمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل» انتهى كلامك مفرغاً بحروفه.

وأقول: يا أخ صلاح كلامك هذا خطير بل وضلال مبين، وهو من جنس كلام النصارى الكفار الذين يقولون المسيح ابن الله ومن جنس كلام الصوفية الضلال الذين يقولون: إن الله تعالى خلق محمداً ﷺ من نور وجهه.

تعالى الله عما يقوله النصارى والصوفية علواً كبيراً.

فالله تعالى شيء والمخلوق شيء آخر، فالروح مخلوقة من مخلوقات الله وليست صفة من صفاته تعالى لتقول كما ظننت، لذلك قلت: «فَلِمَ سويت بينه وبينك في الروح؟».

واعلم يا أخ صلاح أن الله تعالى بائن من خلقه، فهو جل في علاه ليس في شيء من المخلوقات، وليس من المخلوقات شيء فيه، ولو كان الله تعالى في شيء من المخلوقات لجازت عبادة المخلوق الذي الله تعالى فيه، وكذلك لو كان الله تعالى فيه شيء من المخلوقات لعُبِد المخلوق مع الله تعالى الذي في الله جل وعلا، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

ولذلك أجمع علماء التوحيد والسنة على أن الله تعالى مستوٍ على

عرشه بائن من خلقه.

إذا عرفت هذا يا أخ صلاح أبو عرفة، فاعلم أن ما يضاف إلى الله تعالى إما إضافة صفة يتصف بها أو إضافة عين.

ومثال إضافة الصفة للموصوف، كما في قوله: ﴿رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨]، وقوله: ﴿لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩]: وقوله: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٠]، ونحو ذلك، فهذه كلها صفات لله تبارك وتعالى.

وإضافة الأعيان إلى الله تعالى ليست قطعاً من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، وإنما هي من باب إضافة المخلوق لخالقه، كما في قوله: ﴿هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١]، وكقوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨].

وقد تكون إضافة تشريف، كقوله: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٧٣]، وقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦]، وقال رسول الله ﷺ عن المسجد: «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مَنْ بُيُوتِ اللهِ» الحديث [رواه مسلم في «صحيحه» عن أبي هريرة رضي الله عنه].

ومن هذا الباب قال الله تعالى عن آدم عليه السلام: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ [الحجر: ٢٨]، وقال عن عيسى عليه السلام: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١].

يا أخ صلاح أبو عرفة وفقك الله لهداه، ألم تقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]؟

فكل منهما عليهما السلام مخلوق بكلمة الله، أي بقول الله تعالى له: ﴿كُنْ﴾، وكل منهما أضاف الله تعالى روحه إليه من باب إضافة المخلوق إلى خالقه أو إضافة تشريف، كما بينت لك ذلك.

ولو كلفت نفسك قليلاً، وتواضعت تواضعاً يسيراً، وقرأت تفسير ابن كثير رحمه الله تعالى لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، لما وقعت بهذا الخطأ الجسيم والضلال المبين!

وسأوفر عليك الوقت وأنقل لك تفسيره لعل الله تعالى يشرح صدرك وينفعك به.

قال رحمه الله تعالى عند الآية المذكورة: «أَيْ: إِنَّمَا هُوَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وخَلق مِنْ خَلْقِهِ، قَالَ لَهُ: كُنْ فَكَانَ، وَرَسُولٌ مِنْ رُسُلِهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، أَيْ: خَلقَه بِالْكَلِمَةِ الَّتِي أَرْسَلَ بِهَا جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى مَرْيَمَ، فَنَفْخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَكَانَ عِيسَى بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَصَارَتْ تِلْكَ النَّفْخَةُ الَّتِي نَفَخَهَا في جَيْب درعها،فَنَزَلَتْ حَتَّى وَلَجت فَرْجَهَا بِمَنْزِلَةِ لَقَاحِ الْأَبِ الْأُمَّ وَالْجَمِيعُ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ وَلِهَذَا قِيلَ لِعِيسَى: إِنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ تَوَلَّدَ مِنْهُ، وَإِنَّمَا هُوَ نَاشِئٌ عَنِ الْكَلِمَةِ الَّتِي قَالَ لَهُ بِهَا: كُنْ، فَكَانَ. وَالرُّوحِ الَّتِي أُرْسِلَ بِهَا جِبْرِيلُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] ...» الخ كلام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير سورة النساء.

واقرأ يا أخ صلاح قول النبي ﷺ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ» [متفق عليه، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه].

فهذا الحديث يا أخ صلاح صحيح وصريح، في بيان أن عيسى عليه السلام كلمة الله تعالى، أي خلقه الله تعالى بكلمته وليس هو الكلمة، وهو روح من الله تعالى، وليست الروح صفة لله تعالى، وإنما هي روح مخلوقة.

وفقنا الله تعالى وإياك إلى صراطه المستقيم، وهدانا إلى دينه القيم المبين.

والحمد لله أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.