التنبيه على ما يظنه بعض المسلمين مما يلزم التوجيه


1441-08-03 | 2020-03-27


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد :

فقد يظن كثيرٌ من الناسِ أن البلاء لا يرتفع عن وجه الأرض إلا إذا تاب الناس جميعاً واستغفروا الله وأنابوا إليه وأسلم الكفار وتغير النظام الإقتصادي العالمي الربوي، وترك الناس الفواحش كلها ما ظهر منها وما بطن وارتفع الظلم ، وزالت المنكرات ، وهذا الظن جعل كثيراً من الناس يتقاعس عن التوبة ويتوقف عن الإستغفار وهذا غلط كبير بل هذا من وحي الشيطان الرجيم.

واعلم أن هداية الناس جميعاً أمر لم يشأه الله تعالى كما قال تعالى (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) يونس (٩٩) وقال تعالى (وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ) (٩)[النحل] وقال تعالى : (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا) الأنعام (١٠٧) وقال تعالى (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) البقرة (٢٥٣) فهذا قدرُ الله عز وجل فقد خلق الخير والشر وشاء أن يبقى الحق والباطل يتصارعان إلى يوم القيامة وكل ذلك اختبار وابتلاء قال تعالى : (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) الملك (٢) وقال تعالى : (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) الأنبياء (٣٥) وإنما ندعوك أخي المسلم للإستغفار ليغفر الله لك وقد يرفع الله تعالى البلاء بتوبة بعضنا أو استغفار أفراد منا وقد تكون أنت واحداً ممن يرفع الله تعالى البلاء بتوبتك واستغفارك. روى الإمام مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون ، فيستغفرون الله تعالى، فيغفر لهم" .

أستغفر الله الذي لا إله إلا هو وأتوب إليه .

واعلم أخي الكريم أن العباد لو لم يذنبوا ويستغفروا لما ظهر أثر أسماء الله تعالى الغفور والغفار ، قال تعالى : (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) البقرة (١٩٩) وقال تعالى : (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) طه (٨٢) وفي الحديث القدسي قال الله تعالى : (يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم) رواه مسلم . وقد وصف الله تعالى نفسه بأنه ‏(خَيْرُ الْغَافِرِينَ) الأعراف (١٥٥) وأنه جل وعلا (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) المدثر (٥٦) وأنه (غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ) غافر (٣) وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :(ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول : من يدعوني فأستجيب له ، من يسألني فأعطيه ، من يستغفرني فأغفر له) رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري. والإستغفار من صفات عباد الله المؤمنين قال تعالى : (كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ )الذاريات (١٧-١٨) وقال تعالى : (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) آل عمران (١٦-١٧) والأدلة كثيرة من الكتاب والسنة تدل على الأمر بالإستغفار وفضله وعظيم أجره . حتى قال بعض أهل العلم إن الاستغفار أوسع أبواب الخير بعد التوحيد . وأمر الإستغفار يسير جداً فهو لا يحتاج إلى وضوء ‏ولا إلى ستر عورة إستقبال القبلة كالصلاة ولا يحتاج قوة وإمساكاً عن الطعام والشراب كالصيام ولا دفع أموال كالزكاة والصدقات ولا إلى سفر وجهد كالحج والعمرة كما لا يحتاج إلى شجاعة وإقدام كالجهاد ولا ذكاء وفهم وقوة حافظة كطلب العلم وإنما يحتاج بعد توفيق الله عز وجل إلى معرفة فضله مع مجاهدة للنفس وتعويد للسان ، حتى يتعود المسلم على الإكثار من الإستغفار . نعم كثير من الناس قد يستغفر الله تعالى لكن لا يستغفره كثيراً ، وهذا تقصير في حق النفس . النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أكثر البشر طاعة لله تعالى وأشدهم استقامة على أمره ومع ذلك كان يقول : "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة" (رواه البخاري) ويقول ابن عمر رضي الله عنهما : «إنْ كنَّا لنَعُدُّ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم في المجلسِ الواحدِ مائةَ مرَّةٍ: "ربِّ اغفِرْ لي وتُبْ عليَّ، إنَّك أنت التَّوَّابُ الرَّحيمُ» ". [أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه ، وصححه الألباني] . لذا أنصح نفسي وكل مسلم أن نستجيب لربنا الغفور الغفار وأن نقتدي برسول الله - صلى الله عليه وسلم- المختار فنكثر من الإستغفار . والاستغفار سبب لمغفرة الذنوب ولرفع البلاء وزيادة الرزق والبركة في العمر والعمل والولد والمال . كما أن الإستغفار أمان من عذاب الله تعالى ، كما قال تعالى : (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) الأنفال (٣٣) اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك فاغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين