اطمئنوا ولا ترتعبوا.. فكل شيء عند الله بقدر


1441-08-08 | 2020-04-01


الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

أما بعد:

فقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نفثَ في رُوعي، أنَّ نفسًا لَن تموتَ حتَّى تستكمِلَ أجلَها، وتستوعِبَ رزقَها، فاتَّقوا اللهَ، وأجمِلُوا في الطَّلَبِ، ولا يَحمِلَنَّ أحدَكم استبطاءُ الرِّزقِ أن يطلُبَه بمَعصيةِ اللهِ، فإنَّ اللهَ تعالى لا يُنالُ ما عندَه إلَّا بِطاعَتِهِ» . [رواه أبو نُعيم في الحلية من حديث أبي أمامةَ الباهلي -رضي الله عنه-، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٠٨٥)].

فاطمئنوا وأبشروا، فأجلكم مكتوب، ورزقكم مكتوب، فلن يموت أحدٌ قبل يومه، ولن ينقص من رزقه شيء.

وهذا من أعظم ثمرات الإيمان بالقدر الذي هو أحد أركان الإيمان، وقد قال الله تعالى وقوله الحق: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا} [آل عمران (١٤٥)].

وقال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف (٣٤)].

وقال تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [العنكبوت (٦٠)].

وقال تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس (٣١)].

فأجلك ورزقك قد كُتِبا وأنت في بطن أمك، كما في حديث عبدالله بن مسعودٍ -رضي الله عنه- قال: حدثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو الصادق المصدوق: «إنَّ أحدكم يُجمع خَلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يُرسل إليه الملَك فينفخ فيه الروحَ، ويُؤمر بأربع كلماتٍ: بكَتْبِ رِزقه وأجله وعمله، وشقي أو سعيد» [رواه البخاري (٧٤٥٤) ومسلم (٢٦٤٣)].

فلا تقلق ولا تحزن ولا ترتعب ولا تهلع، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

اجعل ثقتك بالله تعالى كبيرة، وتوكل على الله تعالى حق التوكل.

واعلم أن الموت حق كتبه الله تعالى على كل حي ولا مفر منه، فكم من إنسان فر من الموت فلقيه أمامه، واقرأ إن شئت قولَه تعالى: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجمعة (٨)].

وقال الله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) [آل عمران (١٨٥)].

وقال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن (٢٦ - ٢٧)].

بل حتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد مات وهو أحب الخلق إلى الله تعالى وأكرمهم عنده، قال تعالى في حقه: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) [الزمر (٣٠)].

وليس الشأن أن تموت، فالله تعالى وحده الحي الذي لا يموت، والجن والإنس كلهم يموتون، ولكن الشأن كل الشأن على ماذا تموت؟

تأمل وتدبر قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران (١٠٢)].

والله تعالى في هذه الآية لا ينهانا عن الموت، وأنَّى لنا ذلك؛ وإنما يأمرنا أن نحرص على أن لا نموت إلا ونحن على الإسلام.

وفي ظني أن كل مسلم ومسلمة يقول في نفسه: سأتوب توبة نصوحًا قبل الموت. وهذا أمر طيب ومطلوب، فمن تاب إلى الله تعالى قبل موته؛ تاب الله عليه، وبدَّل سيئاتِه حسناتٍ، ولكن من ذا الذي يضمن أن لا يأتيه الموت بغتة -أي فجأة-؟

فكثير من الناس ممن تعرفهم وممن لا تعرفهم يموتون بغتة، وهذه قاصمة الظهر، إذ لا مهلة بعد الموت للعمل ولا رجعة لاستدراك ما قد فات، قال تعالى: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ} [سورة المنافقون (١٠)].

وقال تعالى : {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [سورة المؤمنون (٩٩-١٠٠)].

أخي المسلم.. أختي المسلمة:

يجب أن يقف كل واحد منا مع نفسه وقفة صريحة صادقة، يحاسب بها نفسه:

هل نحن مستعدون للموت؟

هل عندنا من الأعمال ما يلقى بها أحدُنا ربَّه وهو راض عنه؟

اليوم نعيش في بلاء عظيم قد عمَّ كثيرًا من بلاد العالم، وهو انتشار فيروس كورونا، ومع ما نسمع من الإصابات والوفيات، غير أن الغفلة ما زالت تعم كثيراً منَّا.

ما زال من بيننا من يترك الصلاة أو يتهاون فيها، ومن يفعل المحرمات، ومن يتعاطى المخدرات، ويشرب المسكرات.

مازال منا من يصر على عقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، وأكل الحرام.

أَما آن للشباب من البنين والبنات أن يتقوا الله تعالى؟ ويستحوا من عباد الله؟ ويترفعوا عن تصرفاتهم العلنية من قلة الأدب والمعاكسات والتبرج والسفور؟!

متى تفوقوا؟ ومتى ترجعوا إلى الله، ومتى تستقيموا على أمره؟

إن الواجب علينا أن ننتبه لأنفسنا، ونتحمل مسؤولية أبنائنا وبناتنا، فإن الله عز وجل إنما ابتلانا لنرجع إليه، فإن لم نرجع إليه في مثل هذه الظروف؛ فمتى نرجع؟!

فاتقوا الله يا مسلمون، اتقوا الله في أنفسكم وفي أولادكم وفي بلدكم.

لا تخافوا من الموت، ولكن خافوا الحساب الذي بعد الموت.

لا تخشوا الفقر، واخشوا من سؤال الله تعالى عن أموالكم: من أين اكتسبتموها وفيما انفقتموها؟

وكما قال القائل:

‏ولو أنّا إذا متنا تركنا لكان الموت راحةَ كلِّ حي ،، ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعد ذا عن كل شيء ،،

‏فالتمسوا رضا الرحمن بالتوبة والاستغفار والإنابة إليه، لعله يرفع عنا البلاء، ويرزقنا العافية من الوباء.

أسأل الله عز وجل أن يصلحنا جميعًا، وأن يغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وأن يكفر عنا سيئاتنا.

والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.