يا دكتور محمد العيسى لا تشمت بِنَا الإخوان المسلمين


1441-10-26 | 2020-08-18


الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين والعاقبة للمتقين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

فكم هو مؤلم أن نسمع بعض الإخوان المسلمين يتهجمون على المملكة العربية السعودية فيقولون: بدأت السعودية باتباع منهجنا وبدأت تتخلى عن منهج العلماء كالشيخ محمد بن عبدالوهاب والشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبدالعزيز بن باز والشيخ محمد بن عثيمين رحمهم الله تعالى. ويقولون: لقد بدأت السعودية تتوجه إلى منهج حسن البنا وجاد الحق علي جاد الحق، ويوسف القرضاوي وغيرهم !! أيرضيك يا دكتور محمد العيسى أن تهدم مصرًا لتبني قصرًا ؟ يا حضرة الدكتور محمد العيسى أنت أمين عام رابطة العالم الإسلامي ، فأنت لا تمثل نفسك فحسب بل كلامك ينعكس سلبًا أو إيجابًا على دولتك وحكومتك. إن دعوة التوحيد والسنة قد بذل فيها أهلها الغالي والنفيس وقامت دولتهم على جماجم الرجال فسالت دماء شبابهم، وزهقت أرواح رجالهم، وأنفقوا أموالهم حتى مكَّن الله تعالى لهم في الأرض، ونشروا دعوتهم إلى مشارق الأرض ومغاربها. وأكرمهم الله تعالى بخدمة الحرمين ورعاية الحجاج حتى أصبحوا قادة للمسلمين فكثر حسادهم وشانئيهم. فيا دكتور محمد العيسى -وفقك الله لكل خير- نسمع منك اليوم كلامًا غريبًا وتلطفًا عجيبًا مع اليهود والنصارى وتُلتقط لك الصور التذكارية، وتتبادل الهدايا مع عُبَّاد الصليب وقتلة الأنبياء ، وللأسف تذكرنا تصرفاتك بالقرضاوي وأمثاله ، لا بالشيخ عبدالعزيز ابن باز وإخوانه وطلابه . واقرأ رسالة الشيخ عبدالعزيز ابن باز رحمه الله تعالى التي أرسلها للشيخ جاد الحق علي جاد الحق ردَّ فيها على دعوتِه القريبة لدعوتِك اليوم وبيَّن له بالأدلة ما يجب اعتقادُه والعملُ به ووجوبُ العملِ بعقيدة الولاء والبراء. لعل الله تعالى أن ينفعك بها وينفع عامة أهل السنة وإليك نص الرسالة : " من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ سماحة الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر وفقه الله للخير. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فقد اطلعت على مقالة لسماحتكم نشرتها صحيفة الجزيرة السعودية في عددها الصادر في يوم الجمعة 16 \ 5 \ 1415 هـ بعنوان: (علاقة الإسلام بالأديان الأخرى) ورد في أولها من كلامكم ما نصُّه: (الإسلام يحرص على أن يكون أساس علاقاته مع الأديان والشعوب الأخرى هو السلام العام والود والتعاون؛ لأن الإنسان عمومًا في نظر الإسلام هو مخلوق عزيز كرَّمه الله تعالى وفضَّله على كثير من خلقه؛ يدل لهذا قول الله تعالى في سورة الإسراء: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} والتكريم الإلهي للإنسان بخلقه وتفضيله على غيره يعد رباطًا ساميًا يشد المسلمين إلى غيرهم من بني الإنسان. فإذا سمعوا بعد ذلك قول الله تعالى في سورة الحجرات: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} أصبح واجبًا عليهم أن يقيموا علاقاتِ المودة والمحبة مع غيرهم من أتباع الإنسانية وهذا هو معنى التعارف الوارد في الآية ) إلخ كلامك ولقد كدرني كثيرًا ما تضمَّنته هذه الجُمَلُ من المعاني المخالفة للآياتِ القرآنيَّـة والأحاديثِ النبويةِ، ورأيتُ من النُّصح لسماحتِكم التنبيه على ذلك؛ فإنه لا يخفى على سماحتكم أنَّ اللهَ سبحانه قد أوجب على المؤمنين بغضَ الكفار، ومعاداتهم، وعدمَ مودتِهم وموالاتهم، كما في قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} وقال سبحانه في سورة آل عمران: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} وقال سبحانه في سورة الممتحنة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} {إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} {لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} الآية. وقال سبحانه في سورة المجادلة: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} ..الآية. فهذه الآيات الكريمات وما جاء في معناها من الآيات الأخرى كلها تدل على وجوب بغض الكفار، ومعاداتهم، وقطع المودة بينهم وبين المؤمنين حتى يؤمنوا بالله وحده. أما التعارف الذي دلت عليه آية الحجرات فلا يلزم منه المودة ولا المحبة للكفار، وإنما تدل الآية أن الله جعل بني آدم شعوبا وقبائل ليتعارفوا، فيتمكنوا من المعاملات الجائزة بينهم شرعا؛ كالبيع والشراء وتبادل السفراء، وأخذ الجزية من اليهود والنصارى والمجوس ... وغير ذلك من العلاقات التي لا يترتب عليها مودة ولا محبة. وهكذا تكريم الله سبحانه لبني آدم لا يدل على جواز إقامة علاقة المودة والمحبة بين المسلم والكافر، وإنما يدل ذلك على أن جنس بني آدم قد فضله الله على كثير من خلقه. فلا يجوز أن يستنبط من الآيتين ما يخالف الآيات المحكمات المتقدمة وغيرها الدالة على وجوب بغض الكفار في الله ومعاداتهم، وتحريم مودتهم وموالاتهم؛ لما بينهم وبين المسلمين من البون العظيم في الدين. والواجب على أهل العلم تفسير القرآن بما يصدق بعضه بعضا، وتفسير المشتبه بالمحكم، كما قال الله جل وعلا: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} الآية، مع أن الحكم بحمد الله في الآيات المحكمات المذكورة وغيرها واضح لا شبهة فيه، والآيتان اللتان في التعارف والتكريم ليس فيهما ما يخالف ذلك. وقد ورد في المقال أيضا ما نصه: (فنظرة المسلمين إذن إلى غيرهم من أتباع اليهودية والنصرانية هي نظرة الشريك إلى شركائه في الإيمان بالله والعمل بالرسالة الإلهية التي لا تختلف في أصولها العامة) انتهى كلامه وهذا - كما لا يخفى على سماحتكم - حكمٌ مخالف للنصوص الصريحة في دعوة أهل الكتاب وغيرِهم إلى الإيمان بالله ورسوله، وتسمية من لم يستجب منهم لهذه الدعوة كفارًا. ومن المعلوم أن جميع الشرائع التي جاءت بها الأنبياء قد نُسخت بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز لأحدٍ من الناس أن يعمل بغير الشريعة التي جاء بها القرآن الكريم والسنة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال سبحانه: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} ،وقال تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، وقال سبحانه: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}،وقال سبحانه: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} وقال سبحانه: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ} الآية، وقال عن اليهود والنصارى في سورة التوبة: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (والآيتين بعدها). والآيات في هذا المعنى كثيرة، كلها تدل على كُفر اليهود والنصارى باتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، وقول اليهود: عزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله، وتكذيبهم لمحمد صلى الله عليه وسلم، وعدم إيمانهم به إلا من هداه الله منهم للإسلام. وقد رَوى مسلمٌ في صحيحه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفسُ محمدٍ بيده لا يَسمعُ بي أحدٌ مِنْ هذه الأمة يهوديٌّ ولا نصرانـيٌّ ثُمَّ يموتُ ولم يؤمنْ بالذي أُرسلت به إلا كان مِن أهلِ النار ِ»، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَعَنَ اللهُ اليهودَ والنصارى، اتَخذوا قبورَ أنبيائِهم مساجدَ »، والأحاديثُ الدَّالةُ على كُفْرِ اليهودِ والنَّصارى، وأنَّهم أعداءٌ لنا كثيرة. وإباحة الله سبحانه للمسلمين طعامَ أهل الكتاب ونساءَهم المُحصَّناتِ منهنَّ لا تدلُّ على جوازِ مودتِهم ومحبتِهم، كما لا يخفى على كلِّ مَن تدبر الآياتِ وأعطى المقامَ حقَّه مِنَ النَّظرِ والعنايةِ. وبذلك كله يتبيَّنُ لسماحتِكم خطأُ ما ورد في المقال مِنَ: 1 - القول بأنَّ الودَّ والمحبةَ مِن أساسياتِ العلاقة في الإسلامِ بين الأديانِ والشُّعوبِ. 2 - الحكم لأتباعِ اليهوديةِ والنصرانيةِ بالإيمانِ باللهِ والعملِ بالرسالةِ الإلهيةِ التي لا تختلفُ في أصولِها العامةِ. وتواصيًا بالحقِّ كتبتُ لسماحتِكم هذه الرسالةَ، راجيًا مِن سماحتِكم إعادةَ النَّظرِ في كلامِكم في هذين الأمرين، وأنْ تَرجعوا إلى ما دلتْ عليه النُّصوصُ، وتقوموا بتصحيحِ ما صَدَرَ منكم في الكلمةِ المذكورةِ؛ براءةً للذِّمةِ، ونصحًا للأمةِ، وذلك ممَّا يحُمدُ لكم إنْ شاء اللهُ، وهو يدلُّ على قوةِ الإيمانِ، وإيثارِ الحقِّ على غيرِه متى ظهرتْ أدلتُه. والله المسؤولُ بأسمائه الحسنى وصفاتِه العلى أن يوفقَنا وإياكم وسائرَ علماءِ المسلمين لمعرفةِ الحقِّ واتباعِه، وأنْ يَمُنَّ علينا جميعًا بالنُّصحِ له ولعبادِه، وأنْ يجعلَنا جميعًا مِنَ الهُداةِ المهتدين، إنَّه جوادٌ كريمٌ. وصلَّى اللهُ وسلَّم على نبيِّـنا محمدٍ، وآلِه وصحبِه". "مجموع فتاوى العلامة عبد العزيز ابن باز رحمه الله" (8/ 190). والحمد لله أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، وصلَّى اللهُ وسلَّم على نبـيِّنا محمدٍ وعلى آلِه وصحبه أجمعين.