ولاة الأمر بين الغالي فيهم والجافي عنهم


1442-01-11 | 2020-08-30


الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والعاقبةُ للمتقين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فإن كثيراً من الناس جافى ولاة الأمر فسارع إلى تكفيرهم وسبهم وذمهم والتشهير بهم وتحريض الناس عليهم ونشر معايبهم، والحمد لله قد تصدى أهل العلم من علماء أهل السنة وطلبة العلم لهذا الصنف من الناس، فبينوا الموقف الشرعي الصحيح من ولاة الأمر؛ بأنْ يُسْمَعَ لهم ويطاعوا بالمعروف، ولا يجوز التشهير بهم ولا تحريض الناس عليهم، ويحرم الخروج عليهم، ولا يجوز أن ننزع يداً من طاعة، إلى آخر ما بينوه ونصحوا به من التحقيق والتوجيه في هذا الباب.

غير أنه بالمقابل ظهر بعض الناس -وأرجو أن يكونوا قِلة- عندهم غلو في طاعة ولي الأمر ، فظنوا أنهم معصومون، وبرروا لهم كل عمل وغلوا فيهم، وهذا الصنف أو النوع من الناس أيضاً على غير هدىً.

ولقد وقفت على تغريدةٍ لأحدهم -إن ثبتت نسبتها إلى قائلها لكنها على كل حال قبيحة جداً- قال فيها: (إذا كان قدوة الإرهابيين محمداً الرسول، فنحنُ قدوتنا محمد بن زايد حفظه الله ورعاه) انتهى كلامه.

للأسف أنه لما ذكر الشيخ محمد بن زايد قال حفظه الله ورعاه، وأنا أقول حفظه ورعاه، لكن لما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى لم يقل (صلى الله عليه وسلم)، وكأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كغيره رجل من الرجال، وليس الأمر كذلك؛ بل هو رسول الله حقاً -صلى الله عليه وسلم-، أرسله الله بالهدى ودين الحق، ولا يصح إسلام عبد حتى يشهدَ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولا يصح إيمان عبد حتى يُؤْمِنَ به، وطاعتُه من طاعة الله ومعصيتُه من معصية الله، ولا يُؤْمِن أحد حتى يكونَ أحبَّ إليه من والده وولده والنَّاس أجمعين، بل يجب أن يكون أحبَّ إلينا من نفوسنا، والكلام في فضائله ومقامهِ يطول جداً صلوات ربي وسلامه عليه.

وأما ما زعمه هذا المبطل ولمز فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه قدوة للإرهابيين؛ فهذا من أبطل الباطل، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- إنما هو نبي الرحمة، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}، لم يكن يوماً قدوة للإرهابيين؛ وإنما هو البشير النذير، وقد شرح الله له صدره، ووضع عنه وزره الذي أنقض ظهره، ورفع له ذكره، صلوات ربي وسلامه عليه.

والإرهاب بمفهومه المشهور المعاصر: هو قتل الأبرياء وسفك دمائهم بغير حق والإفساد في الأرض، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- بريء من ذلك، وحتى إذا زعم الإرهابيّون اقتداءهم برسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهذا لا يضره، بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه.

أما إذا أريد بالإرهاب الذي في قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} فهذا حق، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- قد أمره الله تعالى أن يجهاد الكفار والمنافقين، كما قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}، وقد جاهد في الله حق جهاده، وحرك الجيوش، ورفع راية لا إله إلا الله، وجهاده معلوم ومشهور، صلوات ربي وسلامه عليه.

ولكن -غالباً- يراد بالإرهابيين أولئك الذين يسفكون الدماء بغير حق، بل ويبدؤون بالمسلمين قبل الكفار، فهؤلاء النبي -صلى الله عليه وسلم- بريء منهم حتى لو زعموا أنهم يقتدون به -صلى الله عليه وسلم-، فهذا الزعم باطل كما زعمت اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه، قال جل وعلا: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}فردَّ الله جل وعلا عليهم فقال: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ}.

فالانتساب والدعوة كُلٌّ يدعي ما شاء، ولكن في الحقيقة أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يكن قدوة للخوارج المجرمين، بل حذّر من قتل الناس بغير حق، وحذر من هؤلاء أشد التحذير، وقال: (لو أدركتهم لقتلتهم قتل عاد)، فلا يقال أنهم يقتدون برسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ وإنما يقتدون بأئمتهم من الخوارج.

وأما قول هذا القائل المسرف على نفسه -إن ثبت عنه ذلك-: (فنحن قدوتنا محمد بن زايد حفظه الله ورعاه)، ففي ظني أن الشيخ محمد بن زايد -حفظه الله ورعاه- هو نفسه لا يرضى أن يقارن بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، فضلاً أن يقدم هو أو غيرُه عليه بالاقتداء.

بل سماه أبوه محمداً على اسم النبي محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلا يرضى بهذه المقارنة كما لا يرضى ذلك أي مسلم.

الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يُقارَنُ به أحدٌ، حتى أبو بكر الصديق وعمرُ بن الخطاب، وهما من هما! المبشران بالجنة وخلفاؤُه الراشدون، ومع ذلك ؛لا يُقارَنُ أبو بكر وعمرُ بالنبي -صلى الله عليه وسلم-.

بل ولا يقارن نوحٌ وإبراهيمُ وموسى وعيسى -صلوات ربي وسلامه عليهم- بنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- فالرسول -صلى الله عليه وسلم- سيد ولد آدم، ورسول رب العالمين، وخاتم النبيين، وصاحب الشفاعة العظمى، والمقامِ المحمود، وقد رفعه الله عز وجل على جميع البشر، فلا يقال: أنه لا يكون قدوة لنا -عياذاً بالله-.

كيف يجرأ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول ويقول: إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ليس قدوة له؟! وقد قال الله عز وجل في كتابه: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} وإنه لشرف للمسلم أن يكون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قدوة له، ومن ذا الذي يوفقه الله عز وجل فيقتدي برسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ إنه لذو حظ عظيم.

أما أن يتبرأ مسلم من الاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ويقتدي بمن هو دونه بمراحل؛ فهذا من الخذلان المبين، نسأل الله العافية.

قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: (في مقابلة إحسانه إلى الأمة وتعليمهم وإرشادهم وهدايتهم وما حصل لهم ببركته من سعادة الدنيا والآخرة.. لو صلى العبد عليه بعدد أنفاسه لم يكن موفيًّا لحقه) [من كتاب: جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام (ص ٣٨٨)].

واعلم أن مقارنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بغيره فيه انتقاص من قدره فضلاً أن يقدم غيرُه عليه -والعياذ بالله-، وكما قيل:

ألم تر أن السيف ينقص قدره ،، إذا قيل إن السيف أمضى من العصا!

هذه إهانة للسيف إذا قورن بالعصا أو قرنت العصى به، فكيف إذا قال قائل: (إذا كان قدوة الإرهابيين محمداً الرسول فنحنُ قدوتنا محمد بن زايد حفظه الله ورعاه)؟؟

لا شك هذا كلام باطل وخطير جدًّا، وفيه من الاسراف والاستهتار ما فيه، وصاحبه قد يكون قد كفر الكفر الأكبر المخرج من ملة الإسلام.

نعم.. إن هذا لَكفر بالله تعالى؛ لأن هذا الكلام فيه انتقاص وطعن صريح وقبيح بالرسول -صلى الله عليه وسلم-.

هذا نموذج من نماذج الغلو في ولاة الأمر، فولي الأمر نسمع له ونطيع بالمعروف، ونسعى بأسباب تأليف قلوب الرعية، ولا نشهر بعيوبه ولا نجمعها عليه، ولا نخرج عليه، ولا ننزع يداً من طاعة، ولا ننافسه على حكمه، ونخلص له بالنصيحة، ونعينه على طاعة الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.

أما يقال مثل هذا الكلام القبيح والطعن الصريح؛ فهذا لا يجوز بوجه من الوجوه، وهو كفر بالله تعالى، يجب على القائل أن يتوب إلى الله تبارك وتعالى توبة نصوحاً ويراجع نفسه.

ولقد سمعت ذات يوم مقطعاً لرجل من العوام يقول: (ولاة أمرنا هم قدوتنا، حتى لو قادونا إلى جهنم اتبعناهم)!!!

نعوذ بالله، نعوذ بالله، والله ما تمسكنا بإسلامنا إلا فراراً من النار ورغبةً في الجنة، فكيف يقال لو قادونا إلى جهنم لاتبعناهم؟! هذا باطل بل من أبطل الباطل، وأنا أجزم بأن ولاة الأمر لا يرضون بذلك، كيف وقد قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول:. (اتقوا النار ولو بشق تمرة)، ثم يأتي من يقول: حتى لو قادونا إلى جهنم لاتبعناهم؟!!

نعوذ بالله، نعوذ بالله..

أيقول هذا مؤمن يعلم بأن عذاب الله أليم؟! عذاب الله شديد؟! عذاب الله عظيم؟!

لا شك أن هذا من الغلو والباطل الذي يجب على المسلم أن يتوب إلى الله عز وجل منه ولا يقر به أبداً.

والله المستعان.

وصلى الله وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.