سلسلة نصيحة المغرر بهم من الإباضية ( ٤ )


1442-06-12 | 2021-01-25


الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين والعاقبة للمتقين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد : فهذه سلسلة مقالات كتبتها نصيحة لعوام الإباضية الذين قد غرر بهم كبراؤهم فشذوا بهم عن أمة محمد-صلى الله عليه وسلم- فأقول وبالله أستعين وعليه أتوكل ، وإليه أنيب : زعم كبراء الإباضية أنه ليس للمسلم أن يستغفر لأخيه المسلم إذا كان عنده تقصير أو معصية قد أصرَّ عليها ، وزعموا أن الإستغفار لا يكون إلا للتائبين طبعاً ، والمعصومين . وهذا من أبطل الباطل ، بل هذا مخالف للكتاب والسنة وشرائع الأنبياء والمرسلين من نوح أول الرسل عليه السلام إلى نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -. ، قال الله تعالى عن نوح عليه السلام أنه قال في دعائه (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا) (28) سورة نوح

وقال تعالى لعبده ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - آمراً إياه أن يستغفر لعموم المؤمنين والمؤمنات :

(فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ) (سورة محمد(١٩) وقد نهى الله تعالى المؤمنين عن الإستغفار للمشركين فقال تعالى : (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) سورة التوبة . فدلت الآية على مشروعية الاستفغار للمسلمين . وقد وصف الله تعالى عباده المسلمين أنهم يستغفرون لإخوانهم المسلمين الذين سبقوهم بالإيمان فقال تعالى : (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (10) سورة الحشر وكذلك استغفر موسى عليه السَّلامُ لبني اسرائيل وكانوا قد قصروا في طاعتهم لربهم . قال تعالى : وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا ۖ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ۖ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ ۖ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۖ وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) (155) سورة الاعراف ومن أجل استغفار المسلمين بعضهم لبعض شرع اللّهُ تعالى صلاة الجنازة ، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم أصحابه رضي اللّهُ عنهم أن يستغفروا لإخوانهم وكان يقول عليه الصلاة والسلام : اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه .

وهكذا أيها الإباضي المغرر بك يتبين لك أن كبراءكم قد شذوا في مذهبهم عن جميع المسلمين حتى يمنعوا المسلم أن يدعو لوالده إذا مات وقد كان يحلق لحيته أو حتى يقصها !! وهذا من أكبر العقوق والجفاء نسأل الله تعالى العافية . ثم تجدهم يلبّسون على أتباعهم أن نوحاً عليه السلام تبرأ من ابنه لأنه عمل غير صالح ، وهذا من أبطل الاستدلال فإن ابن نوح عليه السلام لم يكن مسلماً ، واقرأ إن شئت قول الله تعالى : (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) (٤٣) سورة هود فالآيات صريحة أنه كان مع الكافرين .

كما استدلوا باستغفار الملائكة لمن تاب خاصة وذلك في قوله تعالى : (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) (7) سورة غافر، والآية ليس فيها ما يمنع من الإستغفار لعموم المسلمين بدليل قوله تعالى في سورة الشورى (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ ۚ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (5) (سورة الشورى) فقد ذكر تعالى أن الملائكة يستغفرون لعموم من في الأرض . ومن أضعف مااستدلوا به قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ۙ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) سورة الممتحنة وهذه الآية ليس فيها دلالة لا من قريب ولا من بعيد ما يدل على المنع من الاستفغار للمسلمين والمسلمات ، لكن هكذا يكون الجهل المركب على أصوله . واغرب من هذا الإستدلال استدلالهم بقول الله تعالى عن المنافقين (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ۖ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (96) سورة التوبة ، فياليت شعري ما علاقة هذه الآية بالمنع من للإستفغار للمسلمين فالمنافقون كان يحلفون للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله عنهم ليرضوا عنهم والله تعالى يقول حتى لو خدعوكم بحلفهم ورضيتم عنهم فإن الله لن يرضى عنهم ، وليس في الآية النهي عن استغفار للمسلمين بعضهم لبعض ( نسأل الله العافية ) وخلاصة الكلام أيها الإباضي المغرر بك اعلم أن كبراءكم إنما أرادوا أن يشذوا بكم عن أمة الإسلام بآرائهم الشاذة حتى نفَّروا المسلمين من رحمة الله تعالى ، ودائماً يغلّبون جانب الوعيد على جانب الرجاء فتجدهم يتوعدون كل مقصر بالبراء ، ويتوعدونه بالخلود في النار والعياذ بالله تعالى . تابعوني في مقال قادم إن شاء الله تعالى في ضمن سلسلة نصيحة المغرر بهم من الإباضية . والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين