موقع الشيخ
حفظه الله
سالم بن سعد الطويل

يَا رِجَالَ الْإِسْلَامِ: إِسْبَالُ الثِّيَابِ حَرَامٌ

26 جمادى الأولى 1448 |

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ:

فَقَدْ مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِنِعْمَةِ اللِّبَاسِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [سورة الأعراف: الآية (26)].

فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ يُذَكِّرُ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِمِنَّتِهِ عَلَيْهِمْ أَنْ رَزَقَهُمْ لِبَاسًا لِيَسْتُرَ عَوْرَاتِهِمْ، وَيَتَزَيَّنُوا بِهِ، لَكِنَّهُ تَعَالَى حَدَّ لِعِبَادِهِ فِي اللِّبَاسِ حُدُودًا يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَعْتَدُوهَا، فَلَا يَجُوزُ لُبْسُ مَا لَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ أَوْ يُحَجِّمُهَا، وَلَا يَجُوزُ لِبَاسُ الشُّهْرَةِ، وَلَا لِبَاسُ الرَّجُلِ لِبْسَةَ الْمَرْأَةِ وَلَا لِبَاسُ الْمَرْأَةِ لِبْسَةَ الرَّجُلِ، وَلَا يَجُوزُ لِبَاسُ مَا فِيهِ تَشَبُّهٌ بِالْكُفَّارِ وَلَا الْفُسَّاقِ، وَلُبْسُ الْحَرِيرِ عَلَى الرِّجَالِ حَرَامٌ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْحُدُودِ الَّتِي يَجِبُ مُرَاعَاتُهَا، وَمِنْهَا الْإِسْبَالُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ.

وَالْإِسْبَالُ: أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ أَوِ السَّرَاوِيلُ أَوِ الْمِشْلَحُ نَازِلًا عَنِ الْكَعْبِ فِي حَقِّ الرِّجَالِ. وَالْكَعْبُ: هُوَ الْعَظْمُ النَّاتِئُ مِنَ الْمَفْصِلِ مَا بَيْنَ الْقَدَمِ وَالسَّاقِ.

وَغَالِبًا الَّذِينَ يُسْبِلُونَ ثِيَابَهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ خُيَلَاءَ وَكِبْرًا، حَتَّى إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعِيبُ عَلَى غَيْرِهِ إِذَا رَآهُ رَافِعًا ثَوْبَهُ فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ!

وَمِمَّا حَمَلَنِي عَلَى الْكِتَابَةِ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ مَا لَاحَظْتُهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْإِخْوَةِ الْمُسْتَقِيمِينَ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ التَّسَاهُلِ فِي الْإِسْبَالِ، حَتَّى مِمَّنْ كَانَ سَابِقًا قَدِ اتَّقَى اللَّهَ تَعَالَى وَرَفَعَ ثَوْبَهُ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْإِسْبَالِ بَعْدَ أَنْ نَوَّرَ اللَّهُ بَصِيرَتَهُ وَأَنْقَذَهُ مِنْ هَذَا الْمُنْكَرِ، وَلَمَّا كَانَتِ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ عَزَمْتُ عَلَى أَنْ أُذَكِّرَ نَفْسِي وَإِخْوَانِي بِأَحَادِيثِ الْإِسْبَالِ وَبَعْضِ فَتَاوَى الْعُلَمَاءِ الَّتِي نَصُّوا فِيهَا عَلَى تَحْرِيمِهِ، بَلْ وَعَدُّوهُ مِنَ الْكَبَائِرِ.

فَقَدْ ثَبَتَ فِي تَحْرِيمِ الْإِسْبَالِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ وَالْوَعِيدِ لِفَاعِلِهِ أَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، مِنْهَا:

1. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الْإِزَارِ فَفِي النَّارِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (5787).

2. وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (106).

3. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (5784) وَمُسْلِمٌ (2085).

4. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَنْظُرُ إِلَى مُسْبِلِ الْإِزَارِ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (5332).

5. وَعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَضَلَةِ سَاقِي فَقَالَ: «هَذَا مَوْضِعُ الْإِزَارِ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَأَسْفَلَ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَلَا حَقَّ لِلْإِزَارِ فِي الْكَعْبَيْنِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (1783) وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

6. وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِزْرَةُ الْمُسْلِمِ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، وَلَا حَرَجَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ، وَمَا كَانَ أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَمَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (4093) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

7. وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ، فَإِنَّهَا مِنَ الْمَخِيلَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (2722) وَصَحَّحَهُ.

8. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْإِسْبَالُ فِي الْإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ، مَنْ جَرَّ مِنْهَا شَيْئًا خُيَلَاءَ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (4085) وَالنَّسَائِيُّ (5334) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

فَتَأَمَّلْ أَخِي الْمُسْلِمُ عَدَدَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ الَّذِينَ رَوَوْا أَحَادِيثَ الْإِسْبَالِ: أَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَجَابِرُ بْنُ سُلَيْمٍ.

وَبَعْضُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ تَكْفِي الْمُسْلِمَ بِأَنْ يَنْزَجِرَ عَنْ إِسْبَالِ ثَوْبِهِ، فَكَيْفَ وَقَدْ تَعَدَّدَتْ وَتَنَوَّعَتْ وَذُكِرَ فِيهَا أَنْوَاعٌ مِنَ الْوَعِيدِ؟

وَلِذَا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ وَالْمُعَاصِرِينَ إِلَى تَحْرِيمِ الْإِسْبَالِ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ مَعَ الْخُيَلَاءِ فَهُوَ أَشَدُّ تَحْرِيمًا، وَذَهَبَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الْإِسْبَالَ بِذَاتِهِ خُيَلَاءُ، كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ الْأَحَادِيثِ.

وَمِمَّنْ قَالَ بِتَحْرِيمِ الْإِسْبَالِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْأَجِلَّاءِ الَّذِينَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ:

1/ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - تُوُفِّيَ (241هـ) - نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي (2/325)، وَالْمِرْدَاوِيُّ فِي الْإِنْصَافِ (1/475).

2/ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ - تُوُفِّيَ (456هـ) - فِي كِتَابِهِ الْمُحَلَّى (4/73).

3/ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ - تُوُفِّيَ (543هـ) - ذَكَرَهُ فِي عَارِضَةِ الْأَحْوَذِيِّ (7/238).

4/ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْمَالِكِيُّ - تُوُفِّيَ (544هـ) - كِتَابُ الشِّفَا بِتَعْرِيفِ حُقُوقِ الْمُصْطَفَى، وَنَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي (10/259).

5/ الْقَرَافِيُّ الْمَالِكِيُّ - تُوُفِّيَ (684هـ) - ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ، وَحَاشِيَةُ الْعَدَوِيِّ (2/453).

6/ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ - تُوُفِّيَ (728هـ) - مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى (22/144).

7/ الذَّهَبِيُّ - تُوُفِّيَ (748هـ) - سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ (3/234).

8/ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ - تُوُفِّيَ (852هـ) - فَتْحُ الْبَارِي (10/259 - 264).

9/ الشَّيْخُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ بَازٍ - تُوُفِّيَ (1420هـ) - مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَمَقَالَاتِ الشَّيْخِ ابْنِ بَازٍ (5/393).

10/ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ نَاصِرُ الدِّينِ الْأَلْبَانِيُّ - تُوُفِّيَ (1420هـ) - ذُكِرَ عَنْهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ جَامِعِ تُرَاثِ الْعَلَّامَةِ الْأَلْبَانِيِّ فِي الْفِقْهِ (17/619-622)، وَسِلْسِلَةِ الْهُدَى وَالنُّورِ، شَرِيطُ (33).

11/ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ - تُوُفِّيَ (1421هـ) - كِتَابُ مَجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيْخِ الْعُثَيْمِينَ (12/306)، وَشَرْحُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ (4/285).

12/ كَمَا صَدَرَتْ فَتْوَى مِنَ اللَّجْنَةِ الدَّائِمَةِ لِلْبُحُوثِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْإِفْتَاءِ - فَتَاوَى اللَّجْنَةِ الدَّائِمَةِ، الْمَجْمُوعَةُ الْأُولَى، الْمُجَلَّدُ (24)، صَفْحَةُ (6) إِلَى (8)، الْفَتْوَى رَقْمُ (1583).

13/ الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ الْفَوْزَانُ - حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَتَاوَى الدُّرُوسِ - الْأَطْعِمَةُ وَاللِّبَاسُ وَالزِّينَةُ، وَشَرْحُ الْأَلْفِيَّةِ فِي الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ (ص 42).

أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنِي وَإِخْوَانِيَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالثَّبَاتِ حَتَّى الْمَمَاتِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

كتبه/ سالم بن سعد الطويل صبيحة يوم الجمعة 26 جمادى الأولى 1448 6 / 11 / 2026

0:00 --:--